
كاتب ومحلل سياسي
ترويضُ التنين: كيف كسرَ ترامبُ كبرياءَ الصينِ الاقتصاديةَ بـ«الضغطِ الأقصى»؟
نهايةُ زمنِ الدبلوماسيةِ الناعمة
خاص بوابة بيروت
لعقودٍ طويلة، اعتقدت بكين أنّ صعودَها نحو عرشِ الاقتصادِ العالميّ مسألةُ وقتٍ لا أكثر، مستفيدةً من حالةِ الارتخاءِ السياسيّ الأميركيّ، ومن قواعدِ العولمةِ المفتوحة التي سمحت لها بالتمدّد كتنينٍ يبتلعُ الصناعاتِ والأسواقَ وممرّاتِ النفوذ. لكنّ هذا الصعودَ الهادئ ارتطم فجأةً بجدارٍ صلبٍ مع وصولِ Donald Trump إلى البيتِ الأبيض، حاملاً معه عقيدةً سياسيةً جديدةً قلبت الطاولةَ على الجميع؛ عقيدةً لا تعترفُ بالدبلوماسيةِ التقليدية، بل بلغةِ القوّةِ والنفوذِ والإخضاعِ المباشر.
لم تكن المواجهةُ التي قادها ترامب مجرّدَ خلافٍ تجاريٍّ على أرقامٍ وصادرات، بل كانت عمليّةَ «ترويضٍ جيوسياسيٍّ» ممنهجةٍ هدفت إلى كسرِ طموحِ الصين، وإجبارِها على الانصياعِ لشروطِ القطبِ الأميركيّ الأوحد. فالمعركةُ لم تكن حول الرسومِ الجمركيّة فحسب، بل حول مَن يملك حقَّ صياغةِ النظامِ العالميِّ المقبل، والتحكّمِ بشرايينِ الاقتصادِ والتكنولوجيا والطاقة والممرّاتِ البحريّة.
أوّلًا: صدمةُ الـ500 مليار… السلاحُ الجمركيُّ لكسرِ الكبرياءِ الصينيّ
دخل ترامب المواجهةَ بعقليّةِ «التاجرِ المحارب»، مدركًا أنّ نقطةَ ضعفِ التنّينِ الصينيّ تكمن في اعتمادِه الهائل على السوقِ الأميركيّة لتصريفِ إنتاجِه الضخم وتحقيقِ فائضِه الماليّ. ومن هنا جاءت الصدمةُ الكبرى عبر حزمةٍ واسعةٍ من الرسومِ الجمركيّة العقابيّة التي استهدفت مئاتِ المليارات من الوارداتِ الصينيّة، في إطارِ حربٍ اقتصاديّةٍ غير مسبوقةٍ بين أكبر اقتصادَين في العالم.
لكنّ هذه الخطوةَ لم تكن تهدف إلى جبايةِ الأموال أو تقليصِ العجزِ التجاريّ فحسب، بل كانت بمثابةِ حصارٍ اقتصاديٍّ صريحٍ يهدف إلى إعادةِ تشكيلِ قواعدِ اللعبةِ الدوليّة. وقد حقّقت هذه الاستراتيجيّة عددًا من الأهدافِ الجوهريّة:
إنهاءُ أسطورةِ «مصنعِ العالم»
دفعت الرسومُ الأميركيّة آلافَ الشركاتِ العالميّة إلى إعادةِ تقييمِ وجودِها داخلَ الصين، والبدءِ تدريجيًّا بنقلِ مصانعِها وسلاسلِ إنتاجِها إلى دولٍ بديلةٍ مثل فيتنام والهند والمكسيك، هربًا من المقصلةِ الجمركيّة الأميركيّة.
ضربُ العمقِ التكنولوجيّ
استهدفت واشنطن شركاتِ التكنولوجيا الصينيّة العملاقة، وعلى رأسِها Huawei وZTE، عبر القيودِ التقنيّة ومنعِ الوصولِ إلى الرقائقِ المتقدّمة وأشباهِ الموصلات، في محاولةٍ واضحةٍ لحرمانِ الصين من حسمِ معركةِ الجيلِ الخامس والتفوّقِ الرقميّ.
تفكيكُ الثقةِ الاستثماريّة
وجّه ترامب ضربةً قاسيةً لثقةِ المستثمرين العالميّين باستقرارِ البيئةِ الاقتصاديّة الصينيّة على المدى الطويل، بعدما تحوّلت الصين فجأةً من «منطقةٍ آمنةٍ للاستثمار» إلى ساحةِ اشتباكٍ مفتوحةٍ مع واشنطن.
لقد أراد ترامب أن يقولَ للعالم إنّ الولاياتِ المتحدة لا تزال قادرةً على خنقِ أيِّ اقتصادٍ ينافسُها، ليس عبر الجيوش فقط، بل عبر الدولار، والعقوبات، وسلاسلِ التوريد، والتحكّمِ بالأسواقِ العالميّة.
ثانيًا: تطويقُ ممرّاتِ النفوذ… إجهاضُ «طريقِ الحرير»
لم يتوقّف مشروعُ الترويضِ الأميركيّ عند حدودِ المالِ والتجارة، بل امتدّ إلى ضربِ أجنحةِ التنّينِ الجيوسياسيّة خارجَ حدودِه. ففي الوقتِ الذي كانت فيه بكين تستعرضُ قوّتَها عبر Belt and Road Initiative، محاولةً شراءَ الموانئ وربطَ آسيا بأوروبا وإفريقيا عبر شبكاتِ النفوذِ الاقتصاديّ، كانت واشنطن تُعيدُ ترتيبَ رقعةِ الشطرنجِ الدوليّة.
استخدمت الإدارةُ الأميركيّة أدواتِ «الدبلوماسيّةِ القسريّة» والتحالفاتِ العسكريّة والاقتصاديّة لتطويقِ الصين في محيطِها الحيويّ، وتشديدِ الرقابةِ على الممرّاتِ البحريّة ونقاطِ الاختناقِ الاستراتيجيّة، من مضيقِ ملقّا إلى البحرِ الأحمر وقناةِ السويس والمحيطِ الهادئ.
لقد فهم ترامب مبكّرًا أنّ السيطرةَ على الموانئِ التجاريّة لا تقلُّ أهميّةً عن امتلاكِ القواعدِ العسكريّة، وأنّ مَن يتحكّم بالممرّاتِ البحريّة يتحكّم فعليًّا بالاقتصادِ العالميّ. لذلك تحوّلت المعركةُ من حربِ رسومٍ جمركيّة إلى صراعٍ شاملٍ على خرائطِ النفوذ والطاقةِ والتجارةِ الدوليّة.
وكانت الرسالةُ الأميركيّة واضحةً، لا يمكن لأيِّ قوّةٍ اقتصاديّةٍ صاعدةٍ أن تتحوّل إلى قطبٍ عالميٍّ مستقلٍّ ما لم تمرَّ عبر البوّابةِ الأميركيّة أو تصطدم بها.
ثالثًا: سيكولوجيا الإذعان… كيف أجبرَ «الضغطُ الأقصى» الصينَ على التفاوض؟
النجاحُ الأخطر لاستراتيجيّةِ ترامب لم يكن في الأرقامِ الاقتصاديّة وحدَها، بل في كسرِ الصورةِ النفسيّة التي حاولت الصينُ بناءَها لعقود؛ صورةِ الدولةِ القادرة على التحمّلِ اللامحدود والصبرِ الاستراتيجيِّ الطويل.
فمن خلال سياسةِ «حافّةِ الهاوية»، مارس ترامب ضغطًا اقتصاديًّا ونفسيًّا متدرّجًا، إذ كان يصعّدُ العقوباتِ في لحظاتٍ حرجة، ثم يلوّحُ بخيارِ «الانفصالِ الاقتصاديِّ الكامل» (Decoupling)، ما أدخل الأسواقَ العالميّة في حالةِ قلقٍ دائم، ووضع القيادةَ الصينيّة أمام احتمالِ خسارةِ النموّ والاستقرارِ الداخليّ معًا.
وفي النهاية، اضطُرّت بكين إلى الجلوسِ على طاولةِ التفاوض، لتوقّع ما عُرف بـ China–United States Phase One Trade Deal في يناير 2020. ذلك الاتفاقُ لم يكن تسويةً متكافئةً بين ندَّين، بل بدا أقربَ إلى وثيقةِ التزامٍ صينيّةٍ بالشروطِ الأميركيّة، عبر:
1. التعهّدِ بشراءِ بضائعَ ومنتجاتٍ أميركيّةٍ بمئاتِ المليارات.
2. فتحِ الأسواقِ الماليّةِ الصينيّة بصورةٍ أوسع أمام النفوذِ الأميركيّ.
3. تشديدِ حمايةِ الملكيّةِ الفكريّةِ الغربيّة.
4. تقديمِ تنازلاتٍ تتعلّق بنقلِ التكنولوجيا والدعمِ الصناعيّ.
وهكذا، تحوّلت الصينُ من قوّةٍ كانت تتحدّثُ بثقةٍ عن قيادةِ القرنِ الحادي والعشرين إلى دولةٍ منشغلةٍ بمنعِ الاختناقِ الاقتصاديّ والحفاظِ على توازنِها الداخليّ.
معالمُ القرنِ الأميركيِّ المتجدّد
إنّ عمليّةَ «ترويضِ التنّين» التي قادها ترامب أثبتت أنّ القيادةَ الدوليّة في القرنِ الحادي والعشرين لا تُدار بالشعاراتِ الأخلاقيّة أو التوازناتِ الهشّة، بل بالقدرةِ على فرضِ الإرادة واحتكارِ أدواتِ القوّةِ الشاملة.
لقد دخلت الصينُ هذه المواجهةَ وهي تعتقد أنّها تقتربُ من إزاحةِ الولاياتِ المتحدة عن عرشِ العالم، لكنّها خرجت منها وهي تدركُ حدودَ قوّتِها أمام سطوةِ الدولار الأميركيّ، والتحكّمِ بسلاسلِ التوريد، والتفوّقِ التكنولوجيّ، وهيمنةِ واشنطن على النظامِ الماليِّ العالميّ.
فالرسومُ الجمركيّة، والعقوباتُ التقنيّة، وسياسةُ «الضغطِ الأقصى»، لم تكن مجرّدَ إجراءاتٍ اقتصاديّة، بل إعلانًا سياسيًّا مدوّيًا بأنّ الولاياتِ المتحدة لن تسمحَ بوجودِ شريكٍ حقيقيٍّ لها في حكمِ العالم، وأنّ التنّين “مهما تضخّم حجمُه” يمكن إخضاعُه حين تُستخدم أدواتُ الهيمنةِ الأميركيّة بكاملِ قسوتِها وفعاليّتِها.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير