دول الخليج و إيران و معضلة الاستعداء

أزلية الحوار المنقوص بين سكان الضفتين

خاص بوابة بيروت

من أبرز ما أذكره من أيام الجامعة تلك الكلمات التي كان يلقيها على مسامعنا دكتور هاشم الذي كان مختصًا بعلم الاتصال وكان له باع طويل بتدريس الدعاية الاعلامية، أبرز تلك الكلمات “يا ابنائي إن الطلبة الألمان ليسوا اكثر منكم ذكاءا غير أنهم أكثر منكم اجتهادا”..

بتتبع المسارات التاريخية ما بين العرب والفرس نرى بان نهج الاجتهاد عند العرب يكاد يكون معدوم بتعاملاتهم الاجتماعية و السياسية مع أصحاب الضفة الشرقية للخليج العربي، وعدم حضور الذهن بتعاملات الدول العربيه بشخوصها التي تغيرت بسياساتها المختلفه من دولة الى أخرى ليس بالأمر الجديد فحالة العزلة السياسية والدونية التي تمارسها ايران بحق دول المنطقة منذ بهلويتها الى عمائمها هي واحدة وسمتها الأبرز الفوقية والتعالي، بل قد يستغرب كثر ان منذ احداث ظفار في سلطنة عُمان التي قضت عليها طائرات الشاه و التباين في الموقف الخليجي حاضر.

ومع هذا لا يخفى على أي مراقب لتصريحات دول الخليج و تحديدا دولة قطر -بحكم وساطاتها المتعاقبة منذ احداث السابع من اكتوبر- أن يلمس كم المسؤولية و محاولة التهدئة ولو بنطاق اضيق خصوصا بعد ضربات “راس لفان”.

ولكن هل تغني هذه التصريحات او تمنع ضربات إيران او تخاذل أمريكا لحلفائها من دول المنطقة؟ خصوصاً و ان هذه الدول -بالعرف السياسي- تشكل “وسائد” محصورة بين حروب الكبار.

علاقة دول الخليج مع إيران تظل معادلة معقّدة، فيها تاريخ طويل من الحوار غير المكتمل بين ضفتي الخليج._

ما نشهده اليوم هو نتيجة تغيّرات سياسية واضحة في المنطقة، أشبه بإعادة ترتيب للأوراق بعد المرحلة التي انتقلت فيها إدارة النفوذ من بريطانيا إلى الولايات المتحدة. هذا التحول لا يعني مجرد مراجعة للتحالفات، بقدر ما هو محاولة للتعامل بعقلانية مع واقع جديد.

دول الخليج تتحرك اليوم بحذر، تحاول الموازنة بين حماية مصالحها والحفاظ على قنوات الدبلوماسية مفتوحة مع الجميع. هناك شعور بعدم الارتياح تجاه بعض التطورات، لكنه يُدار بهدوء حتى لا تُغلق أبواب الحوار.

والسبب أن الجميع يدرك أن أي تصعيد عسكري سيجعل المرحلة القادمة أكثر تعقيداً وصعوبة على الجميع، سياسياً واقتصادياً.

منذ بداية الحرب لم تتوحد مواقف دول الخليج الا في رفض الضربات الايرانية التي تدعي بوثائقها فقط ان أراض هذه الدول تم استخدامها لضرب إيران- بعيدا عن سجالات ان حصل هذا الامر او لا او ما قد تظهره نتائج صور الاقمار الصناعية و التحقيقات الدولية، إلا أن ضعف الموقف الخليجي الموحد و ما يتسرب من أخبار تظهر تفاوت المواقف خصوصاً بين قطر و الإمارات و خشية المملكة العربية السعودية -المعتاد- من اخذ زمام المبادرة بالمواجهة دون ضمان القوة او كثرة الأَعلام المشاركة كما في عاصفة الحزم 2014.

وهذا بطبيعته يؤكد ان حتى العقلانية و الواقعية التي بدأت تظهر بالخطابات العربية حتى اللبنانية – بحاجة الى نضوج لتتوافق مع المؤثرات على الأرض، ففرض جنوب لبنان و استمرار الاستهدافات الايرانية لمصالح دول الخليج ليست سوى بيانات شجب مفعولها يتوازى و تأثير كلمات “أحمد سعيد” ببيانات اذاعة “صوت العرب” في حرب حرب 67

هذا الضعف أضحى محركا حقيقيا لمخاوف الشعوب في المنطقة سواءا كانت شعوب دول الخليج او حتى الشعب اللبناني الذي يرى بانه مهمل من اخوته العرب، والمكون الشيعي في لبنان ليس بعيدا عن هذا أيضا ولو على مضد و عطف ذلك الى ان إيران قد تركت قطعة السجاد اللبنانية الجنوبية المطرزة ايرانيًا طيلة هذه السنوات وحدها دون سند الا بما يتوافق مع جبهتها؛ ومن باب الدعاية هنا من يرى بان لايران وجهة نظر مختلفه تحمي بها التحالف مع حزب الله في لبنان و ما يستنكره البعض يُرى على انه استراتيجية القطنة الإيرانية.

هذا التلاطم السياسي المجتمعي الاقتصادي الذي بدا يظهر بقياسات مختلفه لم يشهدها العالم العربي ولا حتى لبنان في السنوات السابقة سواء كانت بمواجهات مباشر مع اسرائيل او حتى خلال الأزمات الأقتصادية او الجتماعية او حتى بما يتشابه مع جائحة كورونا مثلا، هذا كله يجعل رسم الصورة المستقبلية للعلاقات العربية الايرانية خصوصا مع الفوقية الايرانية التي تصعب على المواطن العربي الذي يرى في إيران جارة ولو كانت مختلفةً عقديًا فكريًا لغويًا او حتى اثنيًا ويود ان تكون هذه العلاقات علاقات ندية سليمة وسوية بطبيعة الحال.

لا تزاحم بين مصالح الدول المتجاورة و احترام هذه الدول لبعضها، ولكن من الذي يأخذ هذه الاختلافات بعين الحسبان؟ العرب الذين تركوا انفسهم لمصالح امريكا في المنطقة؟ ام الطرف الآخر الذي برع و احترف “تطفيش” جيرانه و زرع الفتن شرق السعودية في القطيف و العوامية و في البحرين؟! و لاحقا بخلايا نشطة في الكويت و الإمارات؟!

دعوات الحوار و الانفتاح الحقيقي و كشف الأوراق بدأت جديا منذ ان اطلقها أواسط التسعينات كثر من الأكاديمين العرب امثال د.عبدالله النفيسي و غيره من الجانب العربي او حتى تصريحات جواد ظريف المشوبة بمصالح ايران البحتة ولكن دون منفرات كحد ادنى لهذا الطرح.

وللإنصاف ما تمر به إيران الآن يجعل طرح الحوار مع الجار العربي غير مطروح بجدية حقيقية ولكن هذا لا يعني ان تتوالى التصريحات الفوقية التي يطالعنا بها النظام و كان آخرها من عراقجي تجاه دول الخليج.. لا بل و العالم بحسب وصفه هو.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك