
كاتب ومحلل سياسي
خاص بوابة بيروت
في كلّ مرةٍ يُطرح فيها ملفّ السجون في لبنان، ينقسم النقاش سريعًا بين من يطالب بـ«العفو العام»، ومن يرفضه باعتباره مكافأةً للجريمة وضربًا لمفهوم العدالة. لكنّ الحقيقة أنّ الأزمة أعمق بكثير من هذا الانقسام السطحي. فالمشكلة ليست فقط في عدد السجناء، بل في فلسفة العقاب نفسها، وفي دولةٍ حوّلت السجون إلى مقابر اجتماعية بدلًا من أن تكون مؤسساتٍ للإصلاح والتأهيل.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى عفوٍ عشوائيٍّ يخلط بين المظلوم والمجرم الخطير، ولا إلى شعبويةٍ سياسيةٍ تستثمر بآلام الموقوفين وعائلاتهم. ما يحتاجه فعلًا هو مشروعٌ وطنيٌّ لـ«تبييض السجون» عبر إصلاحٍ قضائيٍّ وإنسانيٍّ شامل، يخفّف الاكتظاظ، ويحفظ الأمن، ويعيد الاعتبار للعدالة الحديثة.
فالعدالة لا تعني الانتقام، والدولة القوية ليست تلك التي تكدّس البشر في الزنازين، بل تلك التي تعرف كيف تعاقب وتحمي وتُصلح في آنٍ معًا.
أزمة السجون، فشلُ دولةٍ لا فشلُ أفراد
تحوّلت السجون اللبنانية منذ سنوات إلى صورةٍ مصغّرةٍ عن انهيار الدولة: اكتظاظ، بطءٌ قضائي، موقوفون من دون محاكماتٍ سريعة، غيابٌ للتأهيل، وانعدامٌ لأيّ رؤيةٍ إصلاحيةٍ حقيقية. هناك أشخاصٌ أمضوا سنواتٍ بانتظار حكم، فيما تحوّلت العقوبة الاحتياطية إلى عقوبةٍ فعليةٍ قبل صدور أيّ قرارٍ قضائي.
هذا الواقع لا ينتج العدالة، بل ينتج مزيدًا من العنف والكراهية والانفجار الاجتماعي. فالسجن الذي يُفترض أن يكون مكانًا لإعادة التأهيل أصبح، في كثيرٍ من الأحيان، مدرسةً للجريمة والتطرّف والانهيار النفسي.
من هنا، فإنّ أيّ مقاربةٍ جدّيةٍ يجب أن تنطلق من مبدأٍ واضح: حماية المجتمع لا تكون فقط بعزل المجرم، بل أيضًا بمنع إنتاج مجرمين جدد.
السوار الإلكتروني، الدولة الذكية بدل الدولة العاجزة
العالم تغيّر، وأنظمة العدالة الحديثة لم تعد تعتمد فقط على السجن التقليدي. فالسوار الإلكتروني أصبح أداةً متقدّمةً تتيح مراقبة المحكوم أو الموقوف ضمن نطاقٍ جغرافيٍّ محدّد، من دون الحاجة إلى إبقائه داخل زنزانةٍ مكتظّة على حساب الدولة والمجتمع.
هذا النموذج يسمح بمراقبةٍ دقيقةٍ لتحرّكات السجين، ويفرض قيودًا قانونيةً واضحة، ويمنحه، في الوقت نفسه، فرصةً للحياة والعمل وإعادة الاندماج الاجتماعي. فالمطلوب ليس تحرير المجرمين، بل إدارة العقوبة بوسائل أكثر فاعليةً وإنسانية.
الدولة الذكية لا تقيس قوتها بعدد السجون، بل بقدرتها على ضبط المجتمع بأقلّ كلفةٍ إنسانيةٍ ممكنة.
تسريع المحاكمات وتخفيض السنة السجنية
العدالة البطيئة ظلمٌ مقنّع. لذلك، فإنّ أيّ إصلاحٍ حقيقيٍّ يبدأ بإعادة هيكلة النظام القضائي وتسريع المحاكمات، لأنّ إبقاء الإنسان سنواتٍ في التوقيف من دون حكمٍ نهائيٍّ يشكّل جريمةً قانونيةً وأخلاقية.
كما أنّ إعادة النظر في السنة السجنية وآليات احتساب العقوبات بات أمرًا ضروريًّا، خصوصًا في الجرائم غير الخطيرة، بما يحقّق التوازن بين الردع والإنسانية.
أمّا عقوبة الإعدام، فهي تمثّل ذهنية الدولة الانتقامية أكثر ممّا تمثّل العدالة. فالدولة التي تقتل باسم القانون لا تستطيع أن تدّعي أنّها تدافع عن الحقّ في الحياة. وقد أثبتت التجارب الحديثة أنّ الردع الحقيقي لا يتحقّق بالمشانق، بل بقضاءٍ سريعٍ وعادلٍ وحاسم.
من السجون إلى مراكز إعادة تأهيل
يجب أن يتحوّل السجن من مكانٍ للعقاب الأعمى إلى مؤسسةٍ لإعادة بناء الإنسان. المطلوب إنشاء مراكز تتضمّن برامج تعليمٍ مهني، وورش عمل، ودعمًا نفسيًّا، ومكتبات، وتأهيلًا فكريًّا واجتماعيًّا حقيقيًّا.
فالإنسان الذي يخرج من السجن بلا أمل، سيعود غالبًا إلى الجريمة. أمّا الذي يُمنح فرصةً ثانيةً ضمن إطارٍ قانونيٍّ واضح، فقد يتحوّل إلى فردٍ منتجٍ داخل المجتمع.
ليس المطلوب تبرئة المجرمين، بل منع تحويل الخطأ إلى قدرٍ أبدي.
بين هيبة الدولة وكرامة الإنسان
هناك من يعتقد أنّ القسوة هيبة، وأنّ الزنازين الممتلئة دليلُ قوة. لكنّ الدول المتقدّمة تجاوزت هذه العقلية منذ زمن. فهيبة الدولة لا تُقاس بالخوف، بل بالعدالة.
والعدالة الحقيقية هي التي تحمي المجتمع وتحفظ، في الوقت نفسه، كرامة الإنسان، حتى عندما يخطئ.
إنّ بناء دولةٍ حديثةٍ في لبنان يتطلّب الانتقال من عقلية الثأر إلى عقلية القانون، ومن السجن كأداةِ انتقامٍ إلى السجن كمرحلةِ إصلاح.
لذلك، فإنّ مشروع «تبييض السجون» ليس تساهلًا مع الجريمة، بل إعلانًا عن ولادة مفهومٍ جديدٍ للدولة: دولةٌ قوية، عادلة، إنسانية، تعرف أنّ الإنسان لا يُختصر بخطأ، وأنّ المجتمع لا يُحمى بالكراهية بل بالقانون.
لنكن بلدَ العدالة والرسالة، لا بلدَ الزنازين المنسيّة.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير