بانوراما من بكين إلى بيروت مرورًا بـ طهران

بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي

تتعدّد مسارات تحرّك الأحداث والمستهدَف واحد، لبنان وشعبه الحرّ. فالمنطقة باتت تحت وطأة ضغط عسكري إسرائيلي يتصاعد بشكل دراماتيكي يومًا بعد يومٍ، والضغط الثاني هو الأصعب، وعنيت به هنا الضغط الديبلوماسي الذي سيكون اليوم الخميس نجم الحراك السياسي.

فضلًا عن ضغط ثالث من نوع مختلف، وهو الضغط الاقتصادي الصامت. حيث بدت لافتة دعوة القرض الحسن لمودعيها المحظيّين بسحب ودائعهم، وهذا ما سيعزّز اقتصاد ” الكاش” أكثر، وهذا ما سيسرّع عمليّة انهيار الانتظام الاقتصادي الهشّ أساسًا. فهل ستؤدّي هذه المسارات الثلاثة إلى انفجار سياسيّ كبير في لبنان والمنطقة؟

الاستقبال الإمبراطوري لترامب، ما وراء البروتوكول

لم تكن زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الصين حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل بدت منذ لحظتها الأولى وكأنها إعلانٌ عن انتقال العالم إلى مرحلة دولية جديدة، تُرسم فيها خرائط النفوذ من البوابة الاقتصادية لا العسكرية فقط. فالاستقبال “الإمبراطوري” الذي حظي به رئيس أقوى دولة في العالم لم يكن مجرد مجاملة دبلوماسية، بل رسالة صينية مزدوجة: أولًا إلى الداخل الأميركي بأن بكين تتعامل مع واشنطن بندّية كاملة، وثانيًا إلى العالم بأن الصين لم تعد قوة اقتصادية صاعدة فحسب، بل مركزًا دوليًا قادرًا على إعادة تشكيل النظام العالمي.

ومن هذه الزاوية تحديدًا تُقرأ أبعاد الزيارة. فالعالم الذي كان يقوم منذ سقوط الاتحاد السوفياتي على أحادية أميركية شبه مطلقة، يدخل اليوم مرحلة التوازنات القاسية بين العمالقة، حيث تتحول التجارة والطاقة والممرات البحرية إلى أدوات سيطرة تتقدّم أحيانًا على الجيوش نفسها. ومن هذا المنطلق تأتي زيارة الرئيبس الأميركي إلى الصين بهدف البحث عن شراكة دوليّة. حيث على ما يبدو بأنّ النسر الأقرع سيحتوي التنين الأحمر.

جنوب لبنان، الكلمة للميدان قبل المفاوضات

في المقابل، تبدو الساحة اللبنانية وكأنها تتحرك على إيقاع هذا التحول العالمي الكبير. فالضربات المكثفة المتبادلة بين إسرائيل ومنظّمة حزب الله ليست مجرد اشتباكات حدودية تقليدية، بل مؤشرات إلى مرحلة ضغط بالنار تمارسها الأطراف كافة قبل الوصول إلى طاولة المفاوضات.

فالإسرائيلي، وفقًا لما يظهر ميدانيًا، يعتمد سياسة “جزّ العشب” بصيغتها الأعنف؛ أي إنهاك الحزب تدريجيًا واستنزاف قدراته البشرية واللوجستية، من دون الانزلاق بعد إلى حرب شاملة. فالقيادة الإسرائيلية تدرك أن أي حرب كبرى ستكون مكلفة داخليًا وإقليميًا، لكنها في الوقت نفسه تريد فرض وقائع جديدة بالقوة قبل أي تسوية مقبلة.

أيّار هنا، لا يبدو المشهد شبيهًا لا باتفاق 17 أيّأر 1983 ولا حتى بحرب تمّوز 2006 فالمرحلة الراهنة أقرب بطبيعتها إلى ما قبلحرب الـ 1967، حين كانت المنطقة تعيش تصعيدًا تدريجيًا انتهى بانفجار عسكري غيّر وجه الشرق الأوسط بالكامل.

ذلك أن إسرائيل اليوم لا تبدو فقط في موقع الردع، بل في موقع الساعي إلى فرض “قضية كبرى” جديدة على لبنان والمنطقة، قد تصل إلى حد محاولة إعادة صياغة قواعد الاشتباك بالقوة المفرطة، وربما دفع لبنان نحو نموذج أمني وسياسي مختلف بالكامل.

يبقى أنّ الحدث الأبرز اليوم كان الحديث المتصاعد عن جولة مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، بالتوازي مع تصعيد ميداني إسرائيلي جنوبًا، وحديث عن عبور قوات إسرائيلية الليطاني أو توسيع المناورة العسكرية.

واشنطن وبكين، تفاهم فوق بركان إيران

أما في ما يتعلق بالزيارة الأميركية – الصينية، فمن المبكر الاعتقاد أن الرئيس الأميركي ذهب إلى بكين فقط لإعطاء الصين دورًا في حل الصراع مع إيران؛ فالأرجح أن الملف الإيراني ليس سوى جزء من صورة أكبر بكثير.

فالولايات المتحدة تدرك أن أي حرب واسعة مع إيران ستعني تلقائيًا تهديدًا مباشرًا لطرق الطاقة العالمية، وبالتالي ضرب الاقتصاد الدولي كله، بما فيه الاقتصاد الأميركي نفسه. كما تدرك أن الصين، بوصفها المستورد الأكبر للطاقة في العالم، تملك القدرة على التأثير في هذا المسار، سواء عبر الضغط السياسي أو عبر التموضع الاقتصادي.

لذلك تبدو الزيارة وكأنها محاولة أميركية لفهم حدود الدور الصيني: فهل تبقى بكين شريكًا اقتصاديًا فقط؟ أم تتحول إلى ضامن للتوازنات الجديدة في الشرق الأوسط؟

حتى اللحظة، يبدو أن الطرفين لا يريدان الحرب. وهذا بحد ذاته مؤشر بالغ الأهمية. فالتفاهم الاقتصادي بين واشنطن وبكين بات أعمق من أن يُضحّى به بسهولة في مواجهة إقليمية، مهما كانت خطورتها.

حرب الممرات بهدف حكم المرحلة الجديدة

جوهر الصراع الحقيقي قد لا يكون في جنوب لبنان أو حتى في إيران، بل في “حرب الممرات” العالمية. فالعالم يشهد اليوم سباقًا استراتيجيًا بين مشروعين عملاقين:

  • المشروع الصيني – الروسي الممتد من آسيا نحو أوروبا عبر مبادرة، فيما يعرف بمشروع طريق الحرير.
  • المشروع “الأميركي – الهندي – الخليجي” الذي يسعى إلى إنشاء ممر اقتصادي يبدأ من الهند، مرورًا بالخليج العربي، وصولًا إلى أوروبا عبر البحر المتوسط. فيما يعرف بمشروع طريق بهارات.

إنها معركة السيطرة على طرق التجارة والطاقة في القرن الحادي والعشرين. فمن يسيطر على الموانئ والمضائق وخطوط النقل، يملك عمليًا مفاتيح الاقتصاد العالمي.

ومن هنا تحديدًا يمكن فهم اللقاء “الأميركي – الصيني”. إنه ليس مجرد لقاء بين دولتين، بل بين مشروعين كونيين متنافسين على قيادة العالم. فهل ترضى الصين بالتّخلّي عن الدور الروسي والتحوّل إلى شريك مع الأميركي لزيادة منسوب الاستثمارات ما قد يقلب موازين القوى في العالم؟ أم ستبقى الصين على مبدئيّتها في التحالف مع الأوروبي والروسي بهدف منافسة أميركا.

معركة فصل الصين عن روسيا

السؤال الأخطر في المرحلة المقبلة هو الآتي: هل يسعى الرئيس الأميركي إلى جذب الصين بعيدًا من روسيا عبر شراكة اقتصادية كبرى؟ فالولايات المتحدة تدرك أن التحالف “الصيني – الروسي” يشكل التهديد الاستراتيجي الأكبر للنفوذ الأميركي عالميًا. لذلك قد يكون هدف واشنطن الحقيقي هو إغراء بكين بمكاسب اقتصادية وتجارية هائلة تجعلها أقل التصاقًا بالمشروع الروسي.

وفي المقابل، تعرف الصين أن روسيا تمنحها عمقًا جيوسياسيًا وعسكريًا مهمًا في مواجهة الغرب، لكنها تدرك أيضًا أن الاقتصاد الصيني لا يستطيع الاستغناء عن الأسواق الغربية والأميركية. كما تدرك الصين تمامًا، ولا سيّما بعد تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانيّة، بأنّ الاعتماد على الأوروبي بشكل عام والروسي بشكل خاص هو سقوط مسبق في متاهة عدم القدرة على المنافسة.

لهذا يبدو العالم وكأنه يدخل مرحلة “التوازن القلق”: لا حرب شاملة يريدها أحد، ولا سلام كامل قادر على الصمود. فهل تستطيع الصين أن تصمد أكثر تحت وطأة الضغوطات العالميّة النفطيّة على اقتصادها؟ وهل تملك الصين حلولًا بديلة للطاقة قد تقلب بواسطتها موازين القوى الجيواستراتيجية في المنطقة؟

الشرق الأوسط على أبواب إعادة التشكيل

كل ما يجري من جنوب لبنان إلى بكين، ومن الخليج إلى المتوسط، يشير إلى حقيقة واحدة، الشرق الأوسط يقف على أعتاب إعادة تشكيل كبرى، لا تشبه ما بعد 2006، وربما لا حتى ما بعد الحرب الباردة. إنها مرحلة تُصاغ فيها الخرائط بالنار حينًا، وبالممرات الاقتصادية حينًا آخر، فيما تحاول القوى الكبرى رسم النظام العالمي الجديد فوق جغرافيا الشرق الأوسط المشتعلة.

ترامب يتبع الآن سياسة تشبه كثيرًا ما فعله نيكسون مع الاتحاد السوفياتي، تفاوض تحت الضغط، وحافة هاوية مدروسة. لكن إيران ليست الاتحاد السوفياتي، فاقتصادها مرهق، وداخلها متوتّر على خلفيّة اللاحياد التي يعيشها لاالشعب الايراني. وفي المقابل، إيران تعرف أنّ أي تنازل جذري الآن قد يعني بداية تفكك “محور المقاومة” كله. ولكن لن تنفعها ديبلوماسيّة حافّة الهاوية ولا شراء الوقت. فساعة الرئيس ترامب متوقّفة عقاربها في السابع من اكتوبر 2023. ولن تسيثر هذه العقارب إلّا قبل محو هذا التّاريخ من الذاكرة الجماعيّ’ في العالم, وما أخشاه أن تكون القوّة المفرطة هي سبيل تحقيق ذلك.

في الختام، زمن إدارة الأزمات ولّى إلى عير رجعة، ودخلنا عمليًّا في زمن رسم التوازنات على وقع إعاغدة توزيع نفوذ مرحلة ما بعد العام 2006 في المنطقة وما بعد 7 أيار 2008 أي اتّفاق الدّوحة ومندرجاته. أما الاشكاليّة اللبنانيّة وسط هذا الصراع تكمن في أنّ مشكلته الكبرى أنّه يدخل هذه المرحلة، بلا رؤية وطنية موحدة، وبطبقة سياسية تتصرف كأنّها تدير انتخابات، لا مصير دولة. فحذارِ أن يجعل هذا الأمر أي تسوية خارجية قابلة للتحول إلى انفجار داخلي لاحق!

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك