
مدير التحرير
بروفات سياسية للمرحلة المقبلة
خاص بوابة بيروت
لقد دخل لبنان عمليًّا مرحلة كشف الحساب مع منظّمة حزب الله، وانتقل الحديث في الأوساط السياسيّة من شرعيّة السلاح إلى كلفة الخيارات القاتلة التي فرضتها المنظّمة على لبنان كلّه. فما أصبح عليه لبنان اليوم هو نتيجة لما ورّطنا به حزب الله بدءًا من تلك اللو كنت أعلم، ومرورًا بما اعتبرته المنظّمة يومًا مجيدًا، وصولًا إلى نقع إعلان بعبدا في النّأي بالنّفس، والتدخّل في سوريا، وبدعة الديمقراطيّة التعطيليّة، وصولًا إلى إسنادين وثأر.
كما لا يمكن إغفال سلسلة الاغتيالات التي طالت رموز ثورة الأرز لإسقاطها ، وما صدر عن المحكمة الدّوليّة في قضيّة اغتيال دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري واضح. وهل مَن ينسى تلك القافلة الطويلة من قادة ورموز ١٤ آذار من هاشم السلمان ولقمان سليم والياس الحصروني وباسكال سليمان؟
هذه الوقائع لم تعد تطرح اليوم مصير سلاح حزب الله كسلاح غير شرعي، بل باتت تطرح إشكاليّة وجود هكذا تنظيم يدين بالولاء لدولة إيديولوجيّة توتاليتاريّة حكمها ثيوقراطي، ولا يعترف بلبنان الـ10452 كم² .
الخيار الثالث
لقد فرضت علينا هذه المنظّمة الاختيار بين خيارين: إمّا الانهيار الاقتصادي وإمّا الانهيار السيادي. أمام هذا الواقع نذهب إلى الخيار الثالث، وهو بناء الدّولة بعيدًا من فكرة انهيارات هذه المنظّمة، وانتظاراتها الإقليميّة لمقايضة ما تبقى لها من سلاح، في عمليّة تسييل دستوريّ للصلاحيّات.
لكنّ ذلك كلّه ينبئ بأنّ المرحلة المقبلة من التفاوض سيكون سلاح حزب الله بندها الأوّل. إن تمّ تنفيذه ننطلق حكمًا إلى البند الثاني. أمّا إذا بم يتمّ تنفيذه فعندها ستكون اليد التنفيذيّة آداة غير لبنانية خالية من الرّحمة الوطنيّة. وهذا ما لا نريده. لكن على ما يبدو أنّ الحزب يسعى إليه.
فالتهيئة الجماهيرية أصبحت لمرحلة ما بعد الحرب التي لن تكون كما قبلها في مختلف الصّعد: تبدأ بالصعيد الديموغرافي وقد لا تنتهي بالنسيج الطوائفي اللبناني الوطني. ولكن من المفيد في هذه الحالة البحث في المسبّبات قبل الغرق في معالجة النتائج من قبل دولة قاصرة وعاجزة على خدمة ما تبقى من أبنائها تحت كنف شرعيّة وجودها.
السردية السياديّة الحقيقيّة
فالبروفات السياسيّة ستكون في المرحلة المقبلة تأسيسًا للسرديّة السياديّة الحقيقيّة التي تبدأ من ثلاثيّة قوامها مبدأ فكّ التشارك السيادي، ونزع السلاح غير الشرعي، واستعادة قرار الحرب والسلم. وهكذا يصبح مصير الدّولة اللبنانيّة بالكامل بيد مؤسساتها الشرعيّة، ويسقط عن كونه ورقة ابتزاز بيد فريق من اللبنانيّين تحت مسمّى ” مقاومة ” ليصار إلى استعماله ورقة دسمة على مذبح المفاوضات. فبروفا هذا الصراع نجحت بالانتقال من البعد العقائدي إلى البعد الدستوري.
وفي هذا السياق بدا ملف العفو بعيدًا من الناحية الإنسانية أو القضائية فقط، بل جزء من مقايضات السلطة، وربما مدخلًا لتسويات أكبر مرتبطة بالموقوفين الإسلاميين واللاجئين والانتخابات المقبلة، حيث أقرّت اللجان المشتركة بهدوء وبالتوافق، إضافة شمول العفو العام الأشخاص الواردين في البند الثاني من المادة الوحيدة من القانون الرقم 194/2011، على أن يُعتبر هذا القانون نافذًا حكمًا من دون الحاجة إلى مراسيم تطبيقية، وهو القانون الذي يتعلّق بمن اضطروا إلى اللجوء إلى إسرائيل عام 2000.
المطلوب تدوير السلطة الفاسدة
ولا ينفع في هذه المرحلة انتقال الحلفاء السرمديين لمنظّمة حزب الله من موقع “الحليف العضوي” إلى موقع “الشريك القَلِق” الذي يحاول التموضع في مرحلة ما بعد الحرب. وهذا التموضع الجديد ساقط “أبريوريًّا” لأنّه مبنيّ على الرمال السياسيّة المتحرّكة. ولن تنفع سياسة إعادة التدوير لأنّكم بحاجة إلى فرز عضوي وتسميد عسى أن تشكّل تجربتكم ولو فائدة صغيرة لعمليّة استنبات سلطة وليس استنباطها من جديد.
ممّا لا شكّ فيه أنّ الثنائي المزعوم مأزوم في هذه المرحلة المقبلة. لقد انتقل من الحضور إلى الوجود. فبعدما كان الحاضر الأفعل، بات يتساءل عن جدوى وجود أضحل. وهذا ما قد ينعكس في البروفا المقبلة فهمًا جيواستراتيجيًّا للواقع الذي وضع نفسه فيه بنفسه.
من عبور البحر الأحمر إلى عبور الليطاني
فأجواء البروفات السياسيّة كلّها انتقلت من عمليّة التوصيف للإبلاغ والإخبار فقط إلى عمليّة التحضير لمرحلة ما بعد الحرب الثالثة المرتقبة بعد انتهاء زيارة الرئيس الأميركي للصين. وذلك على أثر رفض المقترح الايراني. فضلًا عن أنّ التصعيد الميداني في لبنان بعبور نهر الليطاني، لن يكون أبدًا مؤشّرًا إيجابيًّا، بل على العكس تمامًا، قد يكون الصاعق الذي سينفجر بوجه الوفدَين المفاوِضين في واشنطن. فعبور البحر الأحمر أوصلهم إلى أرض المعاد. أمّا عبورهم الليطاني فسيخرجنا من أرض معادنا الوحيدة.
ومما لا شكّ فيه أنّ التسويات الكبرى هي التي ستحكم المرحلة القادمة. ولكن بات من المؤكّد أنّ ذلك سيكون بعد عمليّة إعادة تموضع جديدة تقودها الولايات المتّحدة الأميركيّة. وما بدا واضحًا في الشارع اللبناني في الوسطين الاعلامي والسياسي، أنّ فكرة لبنان بعد الحرب بدأت تتبلور بشكل واضح جدًّا.
قد يكون تحلّل الدّولة وتفكّك مؤسّساتها ، وسقوط المرجعيّات الإقليميّة تمهيدًا إلى إعادة انتاج عمليّة اصطفافات جديدة على وقع انفجار اجتماعيّ مرتقب. لا يستطيع أحد التكهّن فيما إذا سيشكّل نواة جديدة لإطلاق ١٧ تشرين جديدة بنسخة “Pro Max”. الحرب العسكرية قد تهدأ، لكن الحرب السياسية على هوية لبنان الحقيقيّة وصيغته ونظامه السياسي قد بدأت فعليًّا. فهل نتلقّف هذا المومنتوم، أم سنكرّر أخطاء الماضي لنقول بعدها لات الساعة ساعة ندم.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير