
مدير التحرير
لبنان على حافة «السلام بالقوة»… أم السقوط الكبير؟
خاص بوابة بيروت
من خلال رصد الأحداث الداخلية، يبدو أنّ القوى السياسية اللبنانية تستعدّ لترتيب تحالفاتٍ مترقّبة، استعدادًا لتسويةٍ مقبلة، في ظلّ الحديث المطّرد عن حصر مشاركة الدولة اللبنانية في ملفّ المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، تحت الرعاية الأميركية.
وسط ذلك، يطفو في أكثر من موقعٍ إعلامي بارز في لبنان حديثٌ عن احتمال تراجع أولوية الانتخابات والإصلاحات المرتقبة، مقابل تصاعد الكلام عن اقتراب الانفجار الكبير من البوابة الاقتصادية، ولا سيّما مع تأزّم الوضع الميداني في الجنوب اللبناني، عقب إطلاق المزيد من الصواريخ من قِبل منظمة حزب الله، وارتفاع منسوب التهديد الإسرائيلي بهزّ المدن الرئيسية في لبنان، من بيروت إلى بعلبك، والنبطية، وصيدا، وغيرها.
هل أصبح تآكل الدولة اللبنانية أمرًا واقعًا؟
ذلك كلّه ينبئ بتقدّم مفاعيل تآكل الدولة اللبنانية، في ظلّ العجز الذي ما زالت تتسبّب به منظمة حزب الله في تعطيل عجلة الدولة. فما من عاقلٍ في لبنان اليوم إلا ويدرك تمامًا أنّ الانهيار السياسي والأمني مردّه خروج السيادة اللبنانية من يد الدولة أو السلطة، أو بالحدّ الأدنى مسألة «التشارك السيادي» التي لم تعد مقبولة جملةً وتفصيلًا. وهذا ما وضع الملف الأمني في صدارة الأحداث اللبنانية، على وقع استمرار الضربات الإسرائيلية جنوبًا وبقاعًا، وسط ارتفاع الخشية من تحوّل المواجهة إلى حربٍ أوسع وأكثر دموية، مع دولةٍ هشّة تُقيّدها هدنةٌ منهارة عمليًا، وإن كانت لا تزال قائمة شكليًا.
هل بات لبنان رهينة الاشتباك “الإيراني – الإسرائيلي”؟
فضلًا عن ذلك، يتشابك المشهد الأمني اللبناني دبلوماسيًا مع الإيقاع الإقليمي الإيراني ، الإسرائيلي من جهة، والإيقاع التفاوضي الإيراني – الأميركي من جهة ثانية. فالمنطقة دخلت عمليًّا مرحلة حبس الأنفاس، لأن أي فشلٍ للمفاوضات سينعكس حتمًا تصعيدًا مباشرًا على الدولة اللبنانية ككل، وليس على منشآت منظمة حزب الله فحسب، وسط خشيةٍ كبيرة من أن يتوسّع هذا الصراع ليشمل دول «المحور» بأكملها، بدءًا من غزة وليس انتهاءً بالعراق.
أمّا لبنانيًا، فإنّ مشهد النزوح الكثيف من منطقة الضاحية الجنوبية، بعد الصواريخ التي أُطلقت من جنوب لبنان، يتجدّد اليوم، ما يشير إلى ارتفاع منسوب القلق الوجودي لدى هذه الفئة من الناس تحديدًا. فهذه البيئة لم تعد تؤمن بقدرات حزب الله الأمنية، ولا بأي ضماناتٍ يقدّمها لها، بل أضحت رهينة تصريحاتٍ لمسؤولين وإعلاميين إسرائيليين، سرعان ما تتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي لإصدار أوامر الإخلاء، فيما تبادر البيئة الحاضنة إلى تلبية هذه الطلبات بسرعةٍ لافتة.
هل يُعاد رسم الشرق الأوسط تحت ضغط النار؟
فالشرق الأوسط يقف اليوم أمام واقعٍ جديد يقوم على إعادة تشكيل قوى النفوذ، في ظلّ التموضع الإيراني الجديد، الذي يبحث عن أوراق قوة يعبر بها إلى طاولة التفاوض مع الأميركي. مع الإشارة إلى بروز تبدّلٍ واضح في قواعد الاشتباك في المنطقة.
وهذا كلّه يؤشّر إلى ولادة محورٍ جديد، يقوم على توازناتٍ تُنسج بسرعةٍ كبيرة تحت ضغط الحرب والتسويات الدولية، ما ينبئ بدوره بعملية «سلام بالقوة المفرطة»، وهي القوة التي تحدّث عنها الإسرائيلي دائمًا، والتي قد ينجح بموجبها في تغيير خرائط الشرق الأوسط بالكامل.
هل تبدأ المفاوضات من تفكيك “حزب الله”؟
وهكذا تسقط التصنيفات بين «العمالة» و«الوطنية» في الوقت عينه، على وقع الحديث عن أنّ أي مفاوضات مرتقبة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن لن تنطلق من الترسيم فقط، بل من أولوية تفكيك البنية العسكرية لحزب الله بشكلٍ كامل، والحدّ من تحرّكاته وترويضه تحت سقف الدولة اللبنانية، وصولًا إلى ترسيم الحدود والانتهاء من كل النقاط العالقة بين لبنان وإسرائيل، تمهيدًا لاتفاق سلامٍ استراتيجي مستدام بين البلدين.
فيما الواقع يشير إلى استحالة تطبيق هذه الشروط راهنًا، ولاسيّما من حيث تلك التي تتعلّق بنزع سلاح منظّمة حزب الله، ولو عملًا من مقدّمة الدّستور اللبناني وليس من بوّابة القرار 1701.
في ظلّ تسريباتٍ تتحدّث عن بلورة اتفاقٍ أمني يقوم على نشر قوات فصل بين لبنان وإسرائيل، لم تُعرف طبيعتها بعد؛ أهي من البوابة الأميركية، تمهيدًا لتأسيس بنيةٍ اقتصادية حدودية، كما أشار الرئيس الأميركي منذ فترة، عبر الحديث عن بناء مناطق اقتصادية بين لبنان وإسرائيل؟ أم أنّها ستكون فرصةً جديدة للحكومة اللبنانية لتطبيق البند 12 من القرار 1701، الذي يجيز للحكومة اللبنانية طلب دعم قواتٍ أممية لتنفيذ القرار؟ وهذا، باعتقادي، ما سيدفع لبنان نحو اتفاقٍ شامل للأمن والسلام من البوابة الاستراتيجية، ولم يعد خافيًا على أحد الثقل الذي تضعه الولايات المتحدة الأميركية للوصول إلى حلٍّ ناجز في مفاوضات 14 و15 أيار.
تصعيد ميداني للضغط المفاوضاتي
يبقى أن نشير إلى أنّ نهاية هذا الأسبوع، التي اتّسمت بالتصعيد الميداني الإسرائيلي في جنوب لبنان، ولا سيّما في قضاء النبطية، تؤشّر إلى أنّ الأسبوع المقبل قد يشهد وتيرة استهدافٍ أوسع وأشمل، بهدف ممارسة الضغط المباشر على الوفد اللبناني المفاوض، وانتزاع مكاسب استراتيجية مستدامة بواسطة القوة المفرطة في الميدان، التي ستُترجم عمليًا داخل قاعات التفاوض.
في المقابل، ترزح الدولة اللبنانية تحت عبءٍ غير مباشر ناتج عن قرار منظمة حزب الله الاستمرار في «الانتحار اليومي»، الذي قد يقود إلى الانتحار الكبير، وصولًا إلى التحلّل الدولتي الكامل. وعندها يصبح من الضروري البحث في أيّ لبنان نريد، حتى نستطيع الوصول إلى الأمن المستدام، لا أن يبقى البحث مختصرًا فقط بتحقيق الأمن داخل لبنان القائم بصيغته الحالية.
وسط ذلك كلّه، يستمرّ الرئيس الأميركي في بثّ الإشارات الرمادية حول المفاوضات مع إيران، معتمدًا أسلوبًا دبلوماسيًا غامضًا؛ فيصرّح تارةً باقتراب موعد إنهاء هذا الصراع بشكلٍ كامل، ثم يعود ليؤكّد، في موضعٍ آخر، احتمال استخدام القوة لفرض المعادلات الأميركية. فهل لا زال لدينل في لبنان أيّ ترف للانتظار تمهيدًا للاختيار؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير