
كاتبة وناشطة سياسية
عندما تتفاوض الدول… ويموت #اللبنانيون و #اللبنانيات
بقلم خلود وتار قاسم
@kholoudwk
في السياسة لا توجد صداقات دائمة، بل مصالح دائمة. هذه حقيقة يدرّسها طلاب العلوم السياسية في السنوات الأولى من دراستهم. لكن يبدو أن اللبنانيين وحدهم يُطلب منهم أن ينسوا هذه الحقيقة كلما اشتعلت أرضهم.
منذ عقود، يعيش لبنان داخل صراعات تتجاوز حجمه وإمكاناته. وفي كل مرة يُطلب من شعبه أن يتحمل الأثمان باسم قضية أكبر، أو محور أكبر، أو معركة أكبر. لكن النتيجة كانت دائماً واحدة: المزيد من القتلى، والمزيد من الهجرة، والمزيد من الدمار، فيما يبقى السؤال الأساسي معلقاً بلا جواب: من يدفع الثمن فعلاً؟
اليوم، ونحن نراقب المشهد من الجنوب إلى البقاع، لا يمكن تجاهل حقيقة واضحة. هناك صراع إسرائيلي – إيراني مفتوح في المنطقة، لكن ساحته ليست تل أبيب ولا طهران. ساحته بيروت وصور والنبطية وبنت جبيل ومارون الراس وسائر القرى التي تحولت إلى خطوط تماس بين مشاريع متصارعة.
إسرائيل تتحرك وفق منطق القوة والمصلحة. هذا ليس جديداً. مشروعها منذ نشأتها قائم على التفوق العسكري وفرض الوقائع على الأرض واستثمار موازين القوى لمصلحتها. وهي لا تخفي ذلك أصلاً. كل ما تفعله اليوم يؤكد أن لبنان بالنسبة إليها جزء من حساباتها الأمنية والاستراتيجية.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: ماذا عن إيران؟
إذا كانت إسرائيل تنظر إلى لبنان من زاوية مصالحها، فهل تنظر إليه إيران من زاوية مختلفة فعلاً؟
عندما تشتد الأزمات الكبرى، وعندما تصبح المصالح الاستراتيجية على المحك، تجلس الدول إلى طاولة التفاوض. هذا ما تفعله الولايات المتحدة، وهذا ما تفعله روسيا، وهذا ما تفعله الصين، وهذا ما تفعله إيران أيضاً. لا أحد يضحي بمصالحه الوطنية من أجل الآخرين.
المشكلة ليست في أن إيران تفاوض. فكل الدول تفاوض.
المشكلة أن آلاف اللبنانيين دفعوا أثماناً هائلة تحت خطاب يشيطن التفاوض ويعتبره استسلاماً أو خيانة، ثم اكتشفوا أن الدول التي تخوض الصراعات على أرضهم تعرف جيداً متى تفاوض ومتى تساوم ومتى تعقد الصفقات.
وهنا يبدأ الشعور المرير الذي يعيشه كثير من اللبنانيين اليوم.
ليس لأنهم ضد المقاومة، ولا لأنهم مع إسرائيل، بل لأنهم يسألون السؤال الذي يخاف كثيرون من طرحه:
هل أصبح لبنان مجرد ساحة؟
هل تحوّل وطن عمره آلاف السنين إلى ورقة في لعبة أمم أكبر منه؟
من المؤلم أن نرى أبناءنا يموتون بينما يجلس الآخرون إلى الطاولات. ومن المؤلم أكثر أن نكتشف أن معظم القوى الكبرى تنظر إلى منطقتنا باعتبارها جغرافيا نفوذ لا جغرافيا بشر.
بالنسبة لإسرائيل نحن مشكلة أمنية.
وبالنسبة لإيران نحن جزء من شبكة نفوذ إقليمية.
وبالنسبة للقوى الدولية نحن ملف تفاوض إضافي على طاولة مزدحمة بالصفقات.
أما اللبناني، فهو من يخسر بيته وعمله وأرضه ومستقبل أولاده.
والله تعبنا…
تعبنا من أن نكون وقوداً لمعارك الآخرين.
تعبنا من الروايات الملحمية التي تتكرر منذ عقود فيما تتراجع الدولة ويهاجر الشباب وتتآكل الطبقة الوسطى وتتراكم الخسائر.
تعبنا من الانقسام بين من يبرر كل شيء باسم المقاومة، ومن يبرر كل شيء باسم الواقعية السياسية، فيما الحقيقة أن المقابر امتلأت من الطرفين.
ما يحتاجه لبنان اليوم ليس خطاباً جديداً، بل مراجعة تاريخية شجاعة.
مراجعة تبدأ بالاعتراف بأن قوة أي وطن لا تُقاس بعدد الحروب التي يخوضها، بل بقدرته على حماية شعبه.
وأن أعظم انتصار ليس أن نربح جولة إعلامية أو خطاباً سياسياً، بل أن يبقى أبناؤنا وبناتنا أحياء، وأن تبقى أرضنا مزروعة لا محروقة، وأن يبقى وطننا وطناً لا ساحة.
لقد آن الأوان أن نسأل: كم حرباً إضافية يحتاج اللبنانيون واللبنانيات كي يقتنع الجميع أن هذا البلد لا يستطيع أن يستمر في دفع فواتير العالم؟
فالأوطان لا تُبنى بالشعارات وحدها.
والشعوب لا تعيش على البطولات وحدها.
ولبنان، بعد كل ما مر عليه، يستحق أن يكون أكثر من مجرد بند على طاولة مفاوضات الآخرين.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير