«باعونا… ولم يذرف أحد دمعة» : الصرخة الإنسانية من #جنوب_لبنان وكشف المستور

تمهيد: جريمة ممنهجة بحق شعب أعزل.

بقلم كوثر شيا – خاص بوابة بيروت

@kchaya

هذا التقرير ليس مجرد أرقام ومحاضر، بل هو صرخة ألم تنبع من أعماق أرض الجنوب التي غدت مسرحًا للموت والدمار. يوثّق هذا التقرير معاناة إنسانية مروّعة، ويتتبّع سلسلة من المسؤوليات تبدأ من “حزب الله” الذي جرّ لبنان إلى حرب عبثية بأوامر إيرانية، وتمرّ بحكومة عاجزة معلّقة بين وهم السيادة وعجز التطبيق، ورئيس جمهورية لم يحرّك ساكنًا، ولا تُسقط المسؤولية عن العدو الإسرائيلي الذي يمحو القرى بأكملها من على الخريطة تحت مرأى العالم الصامت. ثم يكشف التقرير الوجه القبيح للمسرحية التي يحاول الحزب تسويقها اليوم تحت عنوان «الصناعة المحلية»، بعدما أثبتت الأيام أنه لم يكن سوى أداة في يد القيادة الإيرانية.

المشهد الإنساني، أرض تبكي وأطفال تحت الأنقاض

لم يعد الجنوب اللبناني مجرد منطقة عمليات، بل تحوّل إلى مسرح لجريمة ممنهجة بحق الإنسان والحجر والشجر.

ففي الوقت الذي ينتظر فيه أطفال العالم هلال العيد، كان أطفال الجنوب يرتجفون خوفًا تحت وابل القصف، أو يلفظون أنفاسهم الأخيرة تحت أكوام الركام. وبعد انهيار وقف إطلاق النار الهش في 2 آذار 2026، تكشّفت مشاهد دمار يصعب على العقل تصديقها.

محو القرى والتاريخ

أظهر تحقيق بصري أن ما يقارب 45% من بلدات وقرى جنوب لبنان تعرّضت لأضرار جسيمة أو دمار كامل، ولا سيما على طول ما تسمّيه إسرائيل «الخط الأصفر». فقد سُوّيت أحياء سكنية بكاملها بالأرض، ودُمّرت طرق ومدارس ومساجد وبنى تحتية، في مشهد لا يشبه سوى عمليات التطهير والاقتلاع.

قرى مثل يارون وبنت جبيل مُحيت أجزاء واسعة منها تقريبًا عن الخريطة. وأصبح بعض النازحين يجمعون المال لشراء صور أقمار اصطناعية تتجاوز كلفتها 112 دولارًا للصورة الواحدة، فقط ليعرفوا إن كانت منازلهم لا تزال قائمة أم تحوّلت إلى ركام.

الإبادة الزراعية

تعمّدت آلة الحرب تدمير مصادر الرزق الوحيدة للسكان. فقد احترق أكثر من 56 ألف هكتار من الأراضي الزراعية في لبنان، منها ما يزيد على 18,500 هكتار في الجنوب وحده، بينها 6,600 هكتار من أشجار الزيتون المعمّرة التي كانت مصدر فخر للأجداد ورمزًا لهوية الأرض.

كما دُمّر ما لا يقل عن 1.1 مليون رأس من الدواجن والمواشي، وتلوّثت مصادر المياه، ودُمّرت آلاف خلايا النحل. إنها جريمة بيئية مكتملة الأركان، هدفها جعل الأرض غير قابلة للحياة.

الضحايا والنزوح

بحسب وزارة الصحة اللبنانية، ارتفع عدد القتلى إلى أكثر من 3,213 شخصًا، بينهم أطفال ونساء ومسنّون.

وفي حادثة مأساوية خلال شهر رمضان الماضي، قُتلت عائلة مؤلفة من ستة أشخاص، بينهم طفلان ووالداهما، بينما كانوا يحاولون الفرار من منطقة القصف بعدما نزحوا سابقًا.

كما تجاوز عدد النازحين 1.2 مليون شخص، يعيش كثير منهم في مدارس مكتظة أو خيام مؤقتة أو مساكن غير مجهّزة.

ولم يسلم حتى المسعفون، إذ قُتل عدد منهم أثناء أداء واجبهم الإنساني، فيما أُصيب عشرات آخرون.

أسئلة لا تجد جوابًا

هل يعلم أحد كيف مرّ العيد على أطفال الجنوب؟

هل يدرك أحد حجم الخوف والدمار الذي يخيّم على هذه الأرض؟

هل شمّ أحد رائحة الموت التي تنبعث من القرى كلما هبّت نسمة؟

أهل الجنوب، أيستحقون كل هذا الغدر؟

أيستحقون ما أوصلتموهم إليه؟

ألا يكفيهم الفقر وقلة الحيلة والانهيار الاقتصادي؟

لقد حمّلتم الجنوب أعباء الدفاع عن كل قضايا المنطقة، من فلسطين إلى سوريا إلى إيران، وعن قضايا الشعوب المستضعفة كافة، ثم تركتموه وحيدًا ينزف.

لم يذرف أحد من أجله دمعة، ولم يمدّ إليه أحد منديلًا.

وتركتموه يتساءل بمرارة:

أهكذا يُكافأ شعب حمل أعباء الآخرين لعقود طويلة؟

من يتحمّل المسؤولية؟ الحكومة العاجزة والرئيس المتفرّج!

بينما كان الجنوب يشتعل، اكتفى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بتصريحات وصفها كثيرون بأنها فضفاضة، مؤكدًا أنه سيفعل «المستحيل» لوقف الحرب وأن مسؤوليته تقتضي اختيار «الأقل كلفة».

لكن «الأقل كلفة» لم يعد موجودًا بعدما دُفن آلاف الضحايا وتشرّد مئات الآلاف.

لقد كشفت الأيام أن وعود الحكومة ببسط السيطرة على الجنوب اصطدمت بواقع ميداني مختلف تمامًا.

فبعد أشهر طويلة من الحديث عن سيطرة الدولة، تبيّن أن القرار الفعلي ما زال خارج إطار المؤسسات الرسمية.

وفي مفارقة مؤلمة، بينما كانت الرئاسة تبحث عن سبل لوقف الحرب، كان “حزب الله” يهاجم الحكومة ويتهمها بالخيانة والعمالة، ما جعل لبنان يعيش حالة انقسام سياسي غير مسبوقة.

أين الخطة الوطنية؟

أين السلام والمفاوضات؟

أين ممرات الإجلاء الآمنة؟

أين إدارة الكارثة الإنسانية؟

لماذا تحوّلت أجمل مناطق بيروت إلى خيم زرقاء؟

لماذا ينهار البلد أمام أعيننا ولا أحد يسأل؟

أسئلة ما زالت معلّقة بلا أجوبة.

فضح المستور، لعبة إيرانية وسلاح بلا قرار لبناني

هنا نصل إلى جوهر المأساة.

المواطن الجنوبي الذي فقد منزله وأرضه وأمنه بدأ يعبّر بصراحة عن قناعة راسخة لديه:

«إذا كان “حزب الله” يمتلك كل هذا السلاح، فقرار استخدامه ليس لبنانيًا بالكامل».

وبالنسبة لكثير من أبناء الجنوب، فإن لبنان دفع أثمانًا باهظة نتيجة ارتباطه بصراعات إقليمية تتجاوز حدوده ومصلحته الوطنية.

لقد وجد اللبناني نفسه مرة أخرى يدفع الثمن بالدم والدمار والنزوح، فيما تُدار الحسابات السياسية في أماكن أخرى.

لبنان دفع الثمن، فيما حصد الآخرون المكاسب.

مسرحية «الصناعة المحلية»، المسيّرات صنع محلي… اعتراف ضمني بحجم الكارثة

اليوم، وبعد حجم الدمار الذي لحق بالجنوب، يحاول الحزب إعادة طمأنة جمهوره عبر الحديث عن قدرات جديدة وصناعة محلية للمسيّرات.

اليوم، كل مسيّرة ستقابلها إسرائيل بتدمير عشرة أبنية بالمقابل.

لكن السؤال الذي يتردد في كل منزل مدمّر، وعلى لسان كل أم فقدت ابنها، وكل مزارع احترقت أرضه، يبقى واحدًا، «بعد ماذا؟»

بعد أن خسر الناس منازلهم وأرزاقهم وأحبّاءهم؟

بعد أن أصبحوا وقودًا لحروب لا يملكون قرارها؟

لقد وصل كثير من الناس إلى مرحلة يقولون فيها، «لم يعد لدينا ما نخسره».

وهي عبارة تختصر حجم المأساة التي يعيشها الجنوب اليوم.

وعود الإعمار، سراب طويل

يخرج المسؤولون بوعود متكررة حول إعادة الإعمار.

لكن أهل الجنوب الذين سمعوا هذه الوعود مرارًا يتساءلون، متى سيعود الناس إلى بيوتهم؟

بعد أشهر؟ أم سنوات؟

الحقيقة المؤلمة أن إعادة الإعمار ستكون مهمة شاقة وطويلة، في ظل حجم الدمار الهائل الذي أصاب القرى والبنى التحتية والأراضي الزراعية.

إلى أين؟

هذا هو السؤال الذي يصرخ به كل نازح، وكل أم ثكلى، وكل طفل لم يعد يعرف أين منزله:

«إلى أين؟» لا توجد إجابة واضحة.

الدولة عاجزة، والمجتمع الدولي يكتفي بالمشاهدة، والناس يواجهون مصيرهم وحدهم.

والأدهى من ذلك أن الجنوب يشعر اليوم بأنه تُرك وحيدًا في مواجهة الكارثة.

كفى استغلالًا باسم المقاومة، لقد سقطت الأقنعة

ويبقى السؤال الذي يطرحه أهل الجنوب اليوم:

من سيعمّر ما تهدّم، ويزرع من جديد، ويعيد الحياة إلى جنوبنا الغالي؟

من سيحاسب على كل هذا الدمار؟

من سيعيد الأطفال إلى مدارسهم؟

ومن سيعيد الناس إلى منازلهم وحقولهم؟

من سيعيد تاريخ حضارات مختلفة وعزّ الجنوب الذي كان منارةً من منارات الشرق؟ تاريخ فينيقي، وأرض مقدسة، وحضارة صنعت الحاضر وتنتحر اليوم. من المسؤول؟

إلى القيادة الإيرانية، وإلى قيادة “حزب الله”، وإلى الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها، إن أهل الجنوب ليسوا أرقامًا في تقارير الحرب، بل بشر لهم الحق في الحياة والأمان والكرامة.

إلى أهل الجنوب الصامدين… 

أنتم الشهود الحقيقيون على هذه المأساة.

وقد يأتي يوم يُسأل فيه الجميع عمّا فعلوه، وعمّا قصّروا فيه، وعمّن ترك هذا الجنوب وحيدًا في مواجهة مصيره.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك