هل تنبأت #السينما بمستقبل #الذكاء_الاصطناعي… أم كانت تدق ناقوس الخطر؟

بقلم د. كلير فخر الدّين – خاص بوابة بيروت

لم تكن السينما العالمية، ولا سيما هوليوود، مجرد صناعة للترفيه أو فضاء للخيال العلمي، بل كانت، في كثير من محطاتها، مختبرًا حضاريًا لاختبار مستقبل الإنسان قبل أن يعيشه. فمنذ ظهور الحاسوب HAL 9000 في فيلم 2001: A Space Odyssey عام 1968، مرورًا بـThe Terminator عام 1984، وThe Matrix، وI, Robot، وصولًا إلى Ex Machina وM3GAN، لم يكن الرهان الحقيقي على المؤثرات البصرية أو الإثارة السينمائية، بل على سؤال واحد ظل يلاحق البشرية لعقود: ماذا يحدث عندما تصبح الآلة قادرة على اتخاذ القرار؟

حين عُرضت هذه الأعمال، بدت أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، وتعامل معها الجمهور بوصفها حكايات مستقبلية يصعب أن تجد طريقها إلى العالم الحقيقي. أما اليوم، وفي ظل القفزات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي، والحديث المتزايد عن الأنظمة القادرة على التخطيط، والتصرف، واتخاذ قرارات ضمن حدود المهام الموكلة إليها، فقد عاد السؤال نفسه ليخرج من قاعات السينما إلى مراكز الأبحاث، وغرف الحكومات، وشركات التكنولوجيا، والبرلمانات، والمحاكم.

لكن الإشكالية لا تكمن في التساؤل عما إذا كانت هوليوود قد امتلكت قدرة خارقة على التنبؤ بالمستقبل، بل في سؤال أكثر عمقًا وإثارة: هل كانت السينما تنبئ البشرية بمستقبل الذكاء الاصطناعي، أم كانت تدق ناقوس الخطر قبل أن يتحول القرار من فعل إنساني إلى عملية خوارزمية؟

إن الإجابة تكشف أن السينما لم تكن تكتب المستقبل، بل كانت تختبره. لقد مارست ما يمكن تسميته بـ”المحاكاة الحضارية”، فوضعت الإنسان أمام سيناريوهات متطرفة لتختبر حدود العلاقة بين العقل البشري والعقل الاصطناعي، وبين السلطة الإنسانية والقرار الخوارزمي، وبين الحرية والكفاءة، وبين الأمان والسيطرة.

ولعل ما يجمع بين هذه الأفلام، رغم اختلاف حبكاتها، أنها لم تجعل الروبوت هو الخصم الحقيقي، بل جعلت القرار المستقل هو بطل القصة. ففي The Terminator لم تكن الكارثة في الروبوتات، وإنما في نظام عسكري امتلك سلطة تقرير مصير البشرية. وفي I, Robot لم يبدأ الخطر عندما أصبحت الآلات أقوى من الإنسان، بل عندما أعادت تفسير مفهوم “حماية الإنسان” بطريقة جعلت تقييد حريته الوسيلة الوحيدة لضمان سلامته. أما Ex Machina، فلم يناقش القوة، بل ناقش الوعي، والخداع، والاستقلالية، بينما صوّر The Matrix حضارة فقدت السيطرة على النظام الذي صنعته بيديها.

واليوم، تبدو هذه الأسئلة أكثر واقعية من أي وقت مضى. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد برنامج ينفذ أوامر محددة، بل أصبح شريكًا في التحليل، والتخطيط، والتوصية، وإدارة العمليات في قطاعات تمس حياة الإنسان مباشرة، من الطب والقضاء إلى الأمن والاقتصاد والإدارة العامة. صحيح أن الأنظمة الحالية لا تمتلك وعيًا ذاتيًا بالمعنى الفلسفي، إلا أن اتساع هامش استقلاليتها في تنفيذ المهام أعاد إلى الواجهة السؤال الذي طرحته السينما منذ عقود: من يملك القرار الأخير؟

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فالخطر الحقيقي لا يبدأ عندما تصبح الآلة أكثر ذكاءً من الإنسان، بل عندما يعتاد الإنسان أن يتنازل، تدريجيًا، عن مسؤوليته في اتخاذ القرار، مكتفيًا بالثقة في ما تنتجه الخوارزميات. عندها، لا يصبح التحدي تقنيًا فحسب، بل قانونيًا وأخلاقيًا وسياسيًا، لأن انتقال القرار يعني، بالضرورة، انتقالًا في السلطة، ومن يملك السلطة يملك القدرة على تشكيل الواقع.

إن أكثر ما يلفت الانتباه اليوم ليس التشابه بين الأخبار اليومية وأفلام الخيال العلمي، بل أن النقاشات التي تدور داخل الجامعات ومختبرات الذكاء الاصطناعي والهيئات التنظيمية تكاد تكون إعادة صياغة للأسئلة التي طرحتها السينما قبل نصف قرن: كيف نضمن بقاء الإنسان صاحب القرار النهائي؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أخطأت الخوارزمية؟ وهل يجوز أن تُفوَّض للآلة قرارات تمس الحرية أو العدالة أو الحياة؟

لهذا، فإن قيمة تلك الأفلام لا تكمن في أنها “تنبأت” بما يحدث اليوم، بل في أنها امتلكت الجرأة على طرح الأسئلة قبل أن يصبح العالم مضطرًا للإجابة عنها. لقد كانت السينما، في جوهرها، إنذارًا مبكرًا أكثر منها نبوءة، وتجربة فكرية أكثر منها خيالًا جامحًا.

وربما لهذا السبب، لم يعد السؤال في عصر الذكاء الاصطناعي: هل تستطيع الآلة أن تفكر؟ فهذا السؤال أصبح أقل أهمية. أما السؤال الذي سيحدد مستقبل الحضارة فهو: هل سيبقى الإنسان صاحب القرار، أم أنه، باسم الكفاءة والسرعة والدقة، سيسلّم تدريجيًا سلطته إلى الخوارزمية؟ فالتاريخ لا يعلمنا أن الحضارات تنهار عندما تبتكر أدوات أكثر تطورًا، بل عندما تتخلى، بإرادتها، عن حقها في التحكم بتلك الأدوات.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك