
كاتبة وناشطة سياسية
الحكمة التي تُوحِّد نساء العرب
من الأردن إلى بيروت… وصولاً إلى العواصم العربية، مشروعٌ يبني شبكةً قياديةً نسائيةً تتجاوز الحدود
خاص بوابة بيروت
في زمنٍ تتعاظم فيه الحاجة إلى قيادات تمتلك الرؤية والحكمة بقدر ما تمتلك المعرفة، تبرز مبادرات عربية تسعى إلى إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه أساس التنمية وصانع المستقبل. ومن بين هذه المبادرات، يواصل برنامج «المرأة العربية الحكيمة» ترسيخ حضوره كمنصة عربية تجمع القيادات النسائية وصاحبات الإنجاز والخبرة من مختلف الدول العربية، في إطار رؤية تقوم على الحوار، وتمكين المرأة، وتبادل الخبرات، وبناء الشراكات.
وفي هذا السياق، احتضنت العاصمة اللبنانية بيروت في 30 تموز 2026 النسخة اللبنانية من ملتقى “المرأة الحكيمة تتحدث” (Wise Woman Talks) وحفل جائزة المرأة العربية الحكيمة، بحضور مؤسس البرنامج وفكرته الدكتور محمد خليفة القادم من المملكة الأردنية الهاشمية، إلى جانب شخصيات أكاديمية وإعلامية واجتماعية، وممثلات عن مؤسسات عربية وشريكة للمبادرة.
لم يكن الحدث مجرد حفل تكريم، بل محطة ضمن مشروع عربي يسعى إلى الانتقال من دولة إلى أخرى، للاحتفاء بنساء تركن أثراً حقيقياً في مجتمعاتهن، تمهيداً لاجتماعهن في ملتقى عربي يجمع التجارب والخبرات تحت مظلة واحدة.
حوار يبدأ بالمعرفة
افتُتحت أعمال الملتقى بجلسات حوارية أدارتها الدكتورة حوراء حلال، وتناولت موضوعات تتعلق بحقوق المرأة، والقيادة، والتنمية المجتمعية، وريادة الأعمال، والمسؤولية الإنسانية.
وشاركت في الجلسة الأولى الدكتورة مي وهب بو حمدان، والإعلامية ريتا نجم الرومي، حيث استعرضت كل متحدثة تجربتها المهنية والإنسانية، مؤكدة أن الاستثمار الحقيقي يبدأ ببناء الإنسان وتعزيز دوره في المجتمع.
وفي الجلسة الثانية، التي أدارتها الإعلامية منال الحسن، شاركت الدكتورة بادية سرور، والدكتورة ديالا الشغلي، والأستاذة منال حسون، في نقاشات تناولت القيادة المؤسسية، والابتكار، والتنمية الاقتصادية، والذكاء الاصطناعي، والعمل الاجتماعي، وسط تفاعل كبير من الحضور.
وقد عكس البرنامج حرص المنظمين على أن يكون الحوار أساس اللقاء، وأن يتحول الملتقى إلى مساحة لتبادل المعرفة والخبرات، لا مجرد منصة لإلقاء الكلمات.
دقيقة صنعت أثراً
من أكثر فقرات اليوم تأثيراً، كانت فقرة “دقيقة الحكمة”، حيث خُصص لكل مرشحة ستون ثانية فقط لتروي قصة رحلتها.
ورغم قصر الوقت، حملت تلك الدقائق رسائل عميقة عن الصمود، والاجتهاد، والتغلب على التحديات، وتحويل التجارب الشخصية إلى قصص نجاح تلهم الآخرين.
كانت القاعة تصغي إلى قصص نساء صنعن فرقاً في مجالات الطب، والتعليم، والإعلام، والعمل المجتمعي، وريادة الأعمال، لتؤكد أن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بعدد المناصب، بل بالأثر الذي يتركه الإنسان في حياة مجتمعه.
من هي المرأة العربية الحكيمة؟
في فلسفة هذا البرنامج، لا تُقاس الحكمة بالعمر أو الشهادة أو المنصب، بل بقدرة الإنسان على توظيف المعرفة في خدمة الآخرين.
فالمرأة الحكيمة هي التي تجمع بين الكفاءة المهنية والالتزام الأخلاقي، وبين النجاح الشخصي وخدمة المجتمع، وتؤمن بأن القيادة مسؤولية قبل أن تكون امتيازاً، وأن بناء الإنسان هو الطريق الحقيقي لبناء الأوطان.
ولهذا، فإن الجائزة لا تكرّم الإنجاز الفردي فحسب، بل تحتفي بالقيم التي يحملها أصحاب هذا الإنجاز، وبقدرتهم على إحداث أثر مستدام في محيطهم.
مشروع عربي يتنقل بين الدول
ما يميز هذه المبادرة أنها لا ترتبط بحدود دولة واحدة، بل تقوم على رؤية عربية شاملة، حيث تُنظم فعاليات التكريم في عدد من الدول العربية، احتفاءً بالقيادات النسائية في كل بلد، قبل أن تلتقي هذه النخب في محطات عربية مشتركة تعزز التعارف، وتبادل الخبرات، وإطلاق المبادرات العابرة للحدود.
وبذلك، لا تقتصر الجائزة على اختيار شخصيات متميزة، بل تعمل على بناء شبكة عربية للمرأة القيادية، تضم سيدات من تخصصات مختلفة، يشتركن في هدف واحد: خدمة الإنسان، ودعم التنمية، وتعزيز ثقافة الحوار والتعاون بين المجتمعات العربية.
ويطمح البرنامج إلى أن تتحول هذه الشبكة إلى منصة دائمة للتواصل، تتبادل من خلالها القيادات النسائية الخبرات، وتطلق مشاريع مشتركة في مجالات التعليم، والصحة، والاقتصاد، والابتكار، والعمل الإنساني، بما يعزز حضور المرأة العربية كشريك أساسي في صناعة المستقبل.
من الأردن إلى لبنان… رسالة تقدير
شكّل حضور الدكتور محمد خليفة إلى بيروت رسالة واضحة بأن التقدير لا يكون عن بُعد، بل بالحضور والمشاركة والإنصات إلى قصص النجاح.
فقد حرص على تكريم المشاركات بنفسه، والاستماع إلى تجاربهن، والتأكيد أن هذه المبادرة ليست منافسة بين النساء، بل احتفاء بقصص ملهمة تستحق أن تُروى، وأن تتحول إلى نماذج تُحتذى في مختلف أنحاء الوطن العربي.
تكريم يحمل رسالة
وفي الحفل الختامي الذي قدّمته الإعلامية ربى برهان، تخللت المناسبة كلمات لكل من ربى خليفة، والدكتورة زينب جمعة، والدكتورة هلا هلال، وفقرة موسيقية تراثية قدّمها الفنان الفلسطيني أسامة زيدان، قبل تكريم المشاركات والإعلان عن المتأهلات لتمثيل لبنان في المرحلة العربية المقبلة التي ستُقام في المملكة الأردنية الهاشمية.
وكان الإعلان بمثابة بداية مرحلة جديدة، تنتقل فيها التجارب اللبنانية إلى منصة عربية أوسع، إلى جانب مشاركات من دول عربية أخرى، في إطار رؤية تؤمن بأن تبادل الخبرات بين النساء العربيات يثري المجتمعات، ويعزز ثقافة التعاون والتكامل.
رسالة من بيروت إلى العالم العربي
لم يكن ملتقى “المرأة العربية الحكيمة” مجرد مناسبة احتفالية، بل رسالة تؤكد أن العالم العربي يمتلك ثروة حقيقية تتمثل في نسائه المبدعات، وأن تكريمهن هو اعتراف بما قدمنه من علم، وعمل، وعطاء.
ومن بيروت، المدينة التي لطالما كانت ملتقىً للفكر والثقافة، انطلقت رسالة جديدة مفادها أن الحكمة ليست لقباً، بل مسؤولية، وأن مستقبل المنطقة يُبنى بالشراكة بين العقول، وبالاستثمار في الإنسان، وبمدّ جسور التعاون بين الدول العربية.
ومع انتقال محطات البرنامج إلى دول عربية أخرى، يستمر هذا المشروع في جمع النساء الملهمات تحت راية واحدة، ليؤكد أن قصص النجاح، مهما اختلفت أوطانها، تتحدث لغةً واحدة هي العطاء، والحكمة، وخدمة الإنسان.
في الختام، ومع إسدال الستار على محطة بيروت، تتجه الأنظار اليوم إلى المملكة الأردنية الهاشمية، حيث سيكون الموعد مع المرحلة العربية الختامية التي ستجمع المرشحات والمتأهلات من مختلف الدول العربية في ملتقى واحد، يجسد وحدة الرؤية وتنوع التجارب. وهناك، لن يقتصر التكريم على الاحتفاء بالإنجازات الفردية، بل سيكون احتفالاً بالمرأة العربية التي جعلت من العلم رسالة، ومن القيادة مسؤولية، ومن العمل الإنساني نهجاً للحياة.
وسيشكل هذا اللقاء العربي فرصة استثنائية لتبادل الخبرات، وبناء شراكات عابرة للحدود، وإطلاق مبادرات مشتركة تُسهم في خدمة المجتمعات العربية، وتؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان.
ومن بيروت، مدينة الثقافة والصمود، تنطلق رسالة إلى عمّان، مفادها أن الحكمة لا تعرف حدوداً، وأن المرأة العربية، عندما تجتمع حول قيم المعرفة والتعاون والعطاء، تصبح قوة قادرة على صناعة مستقبل أكثر ازدهاراً وعدالةً وسلاماً للعالم العربي.
وإلى أن تلتقي “حكيمات العرب” في عمّان، تبقى هذه المبادرة شاهداً على أن أعظم الجوائز ليست تلك التي تُعلَّق على الصدور، بل تلك التي تُترك في العقول، وتُترجم إلى أثرٍ يبقى في حياة الناس والأوطان.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير