هل تفتح زيارة الرئيس #عون إلى #أنقرة بابًا لعصر جديد في العلاقات بين #تركيا و #لبنان؟ ؟

بين المصالح الاستراتيجية والتحولات الكبرى في الشرق الأوسط

بين المصالح الاستراتيجية والتحولات الكبرى في #الشرق_الأوسط

بقلم د. كولشان يوسف صغلام – خاص بوابة بيروت

@GSaglum47209

نادراً ما تأتي الزيارات الرئاسية في لحظات التحولات الكبرى لتكون مجرد لقاءات بروتوكولية أو مناسبة لتبادل عبارات التأكيد على عمق العلاقات الثنائية. وفي حالة زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون إلى أنقرة، فإن المشهد يتجاوز حدود العلاقات اللبنانية – التركية التقليدية، ليطرح سؤالاً أوسع: هل تشهد المنطقة ولادة دور تركي جديد في لبنان، في مرحلة إقليمية تعيد رسم موازين القوى والتحالفات؟

تأتي هذه الزيارة في توقيت حساس يشهد فيه الشرق الأوسط إعادة ترتيب واسعة بعد الحرب الإيرانية – الأمريكية وما خلفته من فراغات سياسية وأمنية في الإقليم. وفي ظل تراجع أدوار تقليدية أو تغير طبيعة تدخل بعض القوى الدولية، تبدو تركيا أمام فرصة لتعزيز موقعها كقوة إقليمية قادرة على ملء جزء من هذا الفراغ، ليس فقط عبر الأدوات العسكرية، وإنما من خلال الدبلوماسية والاقتصاد والقدرة على التواصل مع أطراف متناقضة.

فتركيا اليوم ليست كما كانت قبل قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة. فقد عززت تلك القمة موقعها كلاعب أساسي داخل الحلف، وأظهرت حجم قدرتها على التأثير في الملفات الأمنية الدولية، وعلى إدارة علاقات معقدة تجمع بين عضويتها في الناتو، وعلاقاتها مع الولايات المتحدة، وانفتاحها على القوى الإقليمية المختلفة. وهذا الوزن الجديد يمنح أنقرة أدوات إضافية عندما تتعامل مع ملفات حساسة مثل لبنان وسوريا وشرق المتوسط.

لكن السؤال الأساسي يبقى: كيف يمكن لأنقرة أن تحول هذا النفوذ إلى دعم عملي للبنان؟

من حماية الاستقرار إلى دعم الدولة اللبنانية

تدرك أنقرة أن استقرار لبنان لم يعد شأناً داخلياً لبنانياً فقط، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي. لذلك فإن أحد أبرز الملفات التي يمكن أن تشكل محوراً في المباحثات اللبنانية – التركية هو دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني.

فأي مشروع لبناء دولة مستقرة في لبنان يرتبط بقدرة المؤسسات الشرعية على فرض سيادتها وحصر السلاح بيد الدولة. ومن هنا، يمكن أن تلعب تركيا دوراً مهماً عبر تعزيز التعاون العسكري والتدريب وتقديم الخبرات، بما يساعد الجيش اللبناني على القيام بدوره الوطني في حماية الحدود وترسيخ الأمن الداخلي.

ولا يتعلق الأمر فقط بالجانب العسكري، بل برسالة سياسية مفادها أن لبنان ليس متروكاً لمواجهة أزماته منفرداً. فوجود دعم إقليمي من دولة ذات وزن مثل تركيا يمكن أن يعزز قدرة الدولة اللبنانية على التفاوض وحماية مصالحها في مرحلة إعادة ترتيب المنطقة.

وفي هذا السياق، يبرز ملف الجنوب اللبناني. فنجاح أي مسار تفاوضي يتعلق بالحدود والانسحاب الإسرائيلي يحتاج إلى دعم دولي وإقليمي متوازن. وهنا يمكن لعلاقة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الجيدة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن تشكل عاملاً مؤثراً في الدفع باتجاه إنجاح أي اتفاق لبناني – إسرائيلي يضمن إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان،
ويمنع استمرار التوتر على الحدود.

فهل تستطيع أنقرة، مستفيدة من قنواتها المفتوحة مع واشنطن، أن تكون جسراً بين الموقف اللبناني والموقف الأمريكي؟ وهل يمكن أن تتحول هذه العلاقة إلى عنصر ضغط إيجابي لإنهاء الملفات العالقة في الجنوب؟

لبنان وسوريا : مقاربة إقليمية متكاملة

لا يمكن فصل الملف اللبناني عن التطورات في سوريا. فالجغرافيا السياسية تفرض ترابطاً بين الساحتين، وأي فراغ أمني في إحداهما ينعكس مباشرة على الأخرى.

ومن هنا، فإن الحديث عن تدخل عسكري مباشر لتركيا في جنوب سوريا أو لبنان يبقى احتمالاً بعيداً، لأن المقاربة التركية عادة تقوم على إدارة التوازنات وليس الدخول في مواجهات مفتوحة. لكن الدور التركي الأكثر واقعية يتمثل في استخدام النفوذ السياسي والدبلوماسي للضغط باتجاه منع أي تصعيد، وتشجيع الأطراف على احترام استقرار الدولتين.

كما أن أي خطوة سورية كبرى في المرحلة المقبلة لن تكون بعيدة عن التنسيق مع أنقرة بحكم العلاقات والارتباطات الأمنية والسياسية القائمة. وهذا يمنح تركيا قدرة على لعب دور الوسيط المؤثر، خصوصاً في منع تحولات قد تؤدي إلى زعزعة استقرار لبنان.

من الأمن إلى الاقتصاد : لبنان كبوابة إقليمية

لا يمكن أن تكتمل أي شراكة استراتيجية بين لبنان وتركيا من دون البعد الاقتصادي. فلبنان، رغم أزماته، يمتلك موقعاً جغرافياً وتاريخياً يجعله بوابة طبيعية نحو الأسواق العربية والأوروبية، بينما تمتلك تركيا قاعدة صناعية واقتصادية وتجربة واسعة في إعادة الإعمار والتنمية.

في مرحلة “اليوم التالي” بعد الحرب، سيحتاج لبنان إلى نموذج مختلف يقوم على إعادة بناء المؤسسات والبنى التحتية وتحفيز الاستثمار. وهنا يمكن للتجربة التركية أن تقدم نموذجاً مهماً، سواء في مشاريع الإعمار أو تطوير المرافئ والطاقة والنقل والقطاعات الإنتاجية.

كما أن تركيا يمكن أن ترى في لبنان فرصة استراتيجية لتعزيز حضورها الاقتصادي في العالم العربي، بينما يرى لبنان في تركيا شريكاً يمكن أن يساعده على العودة إلى دوره كحلقة وصل بين الشرق والغرب.

لكن يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع لبنان الانتقال من مرحلة طلب المساعدة إلى مرحلة بناء شراكات استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة؟

نهاية الدور التقليدي وبداية مرحلة جديدة؟

تاريخياً، كانت ملفات لبنان الكبرى تُدار غالباً ضمن دوائر نفوذ مرتبطة بعواصم تقليدية مثل باريس والرياض. أما اليوم، فإن دخول تركيا بقوة إلى المشهد اللبناني يعكس تغيراً في طبيعة التوازنات الإقليمية.

لا يعني ذلك إلغاء أدوار الدول الأخرى، بل يعني أن لبنان بات أمام فرصة لتنويع علاقاته الخارجية وبناء شبكة أوسع من الشراكات. فالتوازن بين القوى الإقليمية والدولية قد يمنح بيروت مساحة أكبر للمناورة وحماية مصالحها الوطنية.

زيارة الرئيس جوزاف عون إلى أنقرة قد تكون بداية مرحلة جديدة إذا تحولت نتائجها إلى خطوات عملية في الأمن والاقتصاد والدبلوماسية. فالمطلوب ليس فقط بيانات سياسية، بل ترجمة حقيقية للتفاهمات إلى دعم للجيش، وتعزيز لسيادة الدولة، ومشاريع تنموية تعيد للبنان دوره.

في النهاية، السؤال الذي سيحدد مستقبل هذه العلاقة هو: هل ستكون تركيا مجرد شريك جديد في الملف اللبناني، أم أنها ستصبح أحد الأعمدة الأساسية في مرحلة إعادة بناء الدولة اللبنانية؟

الإجابة ستتحدد بقدرة الطرفين على تحويل اللحظة السياسية الحالية إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد، تقوم على المصالح المشتركة والاستقرار الإقليمي.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك