
حقوقية لبنانية
جذورٌ أقوى من الاقتلاع
خاص بوابة بيروت
في الحروب لا تُستهدف الأماكن فقط، بل تُستهدف الشواهد التي تحفظ معنى المكان. فالأرض لا تُختصر بمساحتها، والبيت لا يُختصر بجدرانه، وشجرة الزيتون لا تُختصر بجذعها وأغصانها. هناك أشياء تحمل في وجودها تاريخاً كاملاً؛ تحمل أسماء الذين زرعوها، ووصايا الأجداد الذين تناقلوا معها معنى الانتماء، وذاكرة عائلات ارتبطت بالأرض لا بوصفها ملكية فحسب، بل بوصفها امتداداً للهوية والكرامة والوجود.
لهذا، فإن اقتلاع الزيتون في الجنوب لا يمكن أن يُقرأ كواقعة مادية منفصلة. فهذه الأشجار ليست مجرد جزء من مشهد القرى، بل شواهد على علاقة تاريخية بين الإنسان وأرضه، وعلى استمرارية مجتمع بقي متمسكاً بمكانه رغم عقود من الاحتلال والقصف والدمار والتهجير.
والجنوبيون، وهم جزء لا يتجزأ من النسيج اللبناني، حملوا عبر عقود أثماناً قاسية من الحروب والتحولات، ودفعوا من أمنهم واستقرارهم واقتصادهم ثمناً لا يمكن تجاهله. لكن عظمتهم لم تكن فقط في قدرتهم على تحمل الألم، بل في قدرتهم على إعادة بناء الحياة في كل مرة، والعودة إلى أرضهم، والتمسك ببيوتهم وحقولهم وقراهم. لم تكن علاقتهم بالجنوب علاقة ظرفية، بل علاقة متجذرة في الذاكرة والوجدان، وهو ما يجعل أي اعتداء على هذه الأرض مسألة تتجاوز الضرر المادي إلى المساس بشاهد من شواهد التاريخ الوطني.
ومن هنا، فإن ما شهدته بلدة زوطر، مع تداول الأخبار عن اقتلاع مئات أشجار الزيتون، يجب ألا يبقى مجرد خبر يمر في زمن الأحداث المتسارعة. فالوقائع التي تطال المدنيين وممتلكاتهم وسبل عيشهم تحتاج إلى أن تُحفظ ضمن مسار قانوني واضح، لأن الحقيقة لا يحميها مرور الوقت، بل يحميها الدليل.
التوثيق في هذا السياق ليس عملاً إجرائياً، بل هو جزء من مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها. فكل شجرة اقتُلعت، وكل منزل تضرر، وكل ملكية خاصة تعرضت للاعتداء، وكل ادعاء يتعلق بفقدان محتويات المنازل أو سرقتها، يجب أن يُجمع ضمن ملف موثق يخضع للتحقق وفق الأصول، مدعوماً بالصور، والتقارير الفنية، وإثباتات الملكية، والشهادات الموثوقة. فالعدالة لا تبدأ عند طرح الأسئلة، بل تبدأ عندما تكون الوقائع محفوظة وقابلة للإثبات.
ومن هنا تبرز أهمية المسار الذي بدأ مع زيارة المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى لبنان، ومع عمل لجنة حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في مجلس النواب في متابعة الانتهاكات وآليات التوثيق. والمطلوب اليوم ليس استبدال ما تقوم به المؤسسات، بل تعزيز هذا المسار وتحويله إلى منظومة وطنية مستدامة، لأن حفظ الأدلة يجب أن يكون جزءاً من عمل الدولة في زمن النزاعات، لا مجرد استجابة بعد انتهائها.
فالدولة القوية ليست فقط الدولة التي تحمي مواطنيها في لحظة الخطر، بل الدولة التي تحفظ حقوقهم بعد وقوع الضرر، وتمنع ضياع الحقيقة بين الروايات المتعددة. إن بناء ملف قانوني متكامل للأضرار والانتهاكات هو حماية للضحايا، وصيانة للذاكرة الوطنية، وتأكيد على أن حقوق اللبنانيين لا تُترك رهينة للزمن أو للنسيان.
والقانون الدولي الإنساني لا يتعامل مع معاناة المدنيين كأرقام، بل يضع قواعد لحماية الإنسان وممتلكاته والأعيان المدنية، ويؤكد أهمية التحقيق والتوثيق وتحديد المسؤوليات وفق الأدلة. لذلك، فإن توثيق ما يصيب الجنوب ليس مجرد أرشفة لمرحلة مؤلمة، بل هو عمل قانوني يحفظ حق لبنان وحق مواطنيه في أي مسار للمساءلة أو التعويض.
لقد بقي الجنوب حاضراً في تاريخ لبنان لأنه لم يكن مجرد حدود جغرافية، بل مساحة اختبرت معنى الصبر والانتماء. والجنوبيون لم يكونوا يوماً خارج قصة الوطن، بل كانوا في قلبها، يحملون أثقالها كما يحملون حقهم في أن تُصان كرامتهم وذاكرتهم.
قد تُقتلع أشجار الزيتون، وقد تتغير ملامح القرى، لكن ما زرعته الأجيال في الأرض لا يمحى بسهولة. فوصايا الأجداد لم تكن فقط أن تبقى الأشجار، بل أن يبقى الرابط الذي يجمع الإنسان بأرضه. ولهذا تبقى الجذور أقوى من الاقتلاع؛ لأنها ليست جذور شجر فقط، بل جذور ذاكرة، وحق، ووطن.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير