#الثقة التى اغتيلت في #انفجار ٤ آب

بقلم د. أنيس راشد – بوابة بيروت تنشر #مشروع_ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير #مرفأ_بيروت في #٤_آب ٢٠٢٠
@dr_rachid123

شكّل انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب 2020 لحظةً مفصلية في التاريخ اللبناني الحديث. فإلى جانب حجم الكارثة الإنسانية والدمار غير المسبوق، فتح الانفجار الباب أمام تحولاتٍ سياسية، وقضائية، وشعبية، ما تزال ارتداداتها مستمرة حتى اليوم.

منذ الساعات الأولى بعد الانفجار، لفتت الأنظار مواقف الأمين العام لحزب الله، الذي اعتبر أن ما جرى ناجم عن الإهمال والتقصير، من دون أن يوجّه الاتهام إلى إسرائيل، خلافًا لما اعتاده اللبنانيون في محطاتٍ أمنية سابقة، كان الحزب يسارع فيها إلى اتهامها. وقد رأى بعض المراقبين في هذا الموقف محاولةً لتجنب فرضيةٍ قد تثير تساؤلاتٍ إضافية حول طبيعة النشاط داخل المرفأ، بينما اعتبر آخرون أن غياب الأدلة في ذلك الوقت كان السبب في عدم توجيه الاتهام إلى أي جهة.

وفي خضم الغضب الشعبي، جاءت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت لتمنح اللبنانيين جرعةً من الدعم السياسي والمعنوي، ولتخفف مؤقتًا من حدة الاحتقان الداخلي، قبل أن يعود ملف التحقيق ليصبح محور مواجهةٍ سياسية وقضائية مفتوحة.

ومع انتقال القضية من مرحلة الصدمة إلى مرحلة البحث عن المسؤوليات، لم يعد النقاش يقتصر على أسباب الانفجار، بل اتسع ليشمل قدرة الدولة على حماية استقلال القضاء وكشف الحقيقة بعيدًا من الضغوط السياسية.

ومع تقدم التحقيق، تصاعدت الاتهامات بوجود ضغوطٍ سياسية على القضاء، وبلغ التوتر ذروته مع أحداث الطيونة في تشرين الأول 2021، عندما تحولت تظاهرةٌ احتجاجًا على أداء المحقق العدلي إلى اشتباكاتٍ مسلحة أوقعت سبعة قتلى. وقد رسخت تلك الأحداث، في نظر شريحةٍ واسعة من اللبنانيين، صورة بلدٍ يعيش تحت وطأة الانقسام والخوف، فيما رأى آخرون أنها عكست تعقيداتٍ أمنية وسياسية أوسع من ملف التحقيق وحده.

لاحقًا، أدى تعثر التحقيق وتعليق جلساته لفتراتٍ طويلة إلى تعميق شعور أهالي الضحايا بأن العدالة مؤجلة، وأن مؤسسات الدولة عاجزة عن الوصول إلى الحقيقة في واحدةٍ من أكبر الكوارث التي شهدها لبنان.

غير أن مسار الأحداث لم يبقَ ثابتًا، إذ حملت السنوات التالية تطوراتٍ أعادت القضية إلى صدارة النقاش الوطني، ولكن في سياقٍ سياسي وأمني مختلف.

فقد حملت السنوات اللاحقة متغيراتٍ سياسية وأمنية أعادت فتح النقاش حول مستقبل الدولة اللبنانية ودور مؤسساتها. فبعد الحرب الأخيرة، وما رافقها من تبدلاتٍ في موازين القوى، عادت أصواتٌ كانت قد خفتت أو أُسكتت، مطالبةً بإكمال التحقيق، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين وفق الأصول القانونية، بعيدًا من أي اعتباراتٍ سياسية.

كما عاد إلى الواجهة الحديث عن قضايا اغتيال شخصياتٍ معارضة، من بينها الناشط لقمان سليم، والمصور جو بجاني، إضافةً إلى ملفاتٍ أخرى بقيت موضع جدلٍ في الحياة السياسية اللبنانية، في ظل مطالبةٍ مستمرة بإنهاء الإفلات من العقاب وتعزيز استقلال القضاء.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل كان انفجار الرابع من آب بداية التراجع التدريجي في سطوة حزب الله على الحياة السياسية اللبنانية، أم أنه كان مجرد محطةٍ ضمن مسارٍ طويل من التحولات الداخلية والإقليمية؟

قد تختلف المقاربات في الإجابة عن هذا السؤال، لكن ما لا يختلف عليه أهالي الضحايا هو أن الحقيقة القضائية تبقى المدخل الوحيد لإقفال هذا الجرح الوطني.

فالإجابة النهائية قد لا تكون قد حُسمت بعد، لكن ما يبدو واضحًا أن أهالي ضحايا المرفأ لا يطالبون سوى بأمرٍ واحد: حقيقةٍ قضائية عادلة.

فبالنسبة إليهم، لن تستعيد الدولة هيبتها إلا عندما يثبت القضاء استقلاله، ويصدر أحكامه بعيدًا من الضغوط، ويؤكد أن دماء أكثر من مئتي ضحية لم تذهب هدرًا، وأن العدالة، مهما تأخرت، تبقى الطريق الوحيد لترميم الثقة بالدولة وإعادة الاعتبار.

اخترنا لك