
مدير التحرير
بانوراما الأسبوع : من بيروت إلى هرمز فواشنطن، من سيحكم القرن؟
خاص بوابة بيروت
تتعدّد الأحداث، لكنّ الأسباب تبدو واحدة: معركة السيطرة على طرق الطاقة ومواردها، تمهيدًا للتحكّم بخطوط التجارة العالمية، وبالتالي الإمساك بالمفاصل الاقتصادية للنظام الدولي الجديد. هذا ما تسعى إليه الولايات المتحدة الأميركية عبر المقاربة التي يعتمدها الرئيس الأميركي، حيث تُقارب الملفات السياسية من البوابة الاقتصادية أولًا، باعتبار أنّ السيطرة على الممرّات التجارية والطاقة تعني عمليًا السيطرة على القرار العالمي.
ولعلّ ما يجري اليوم يُشبه، إلى حدّ بعيد، الصراع التاريخي على قناة السويس في خمسينيات القرن الماضي، أو حتى الصراع البريطاني ـ الروسي القديم على الممرّات البحرية في آسيا، حين كانت طرق التجارة تعني النفوذ الإمبراطوري الكامل. فهل عدنا إلى الزّمن الأمبراطوري من البوابة الاقتصاديّة؟
لبنانيًا، مَن يكن محمود قماطي ليخاطب فخامة الرئيس هكذا؟
في هذا السياق، يبرز السؤال حول ما طرحه محمود قماطي، ومحاولته تفسير الدستور اللبناني انطلاقًا من وجهة نظر سياسية مرتبطة بمرحلة المفاوضات البحرية. إذ بدا واضحًا أنّ الهدف هو اللعب على المصطلحات الدستورية لمحاولة سحب ملف المفاوضات من يد فخامة رئيس الجمهورية وإعادته إلى دولة الرئيس نبيه بري، بوصفه “الأخ الأكبر” في إدارة هذا النوع من الملفات، ظنًّا منه أنّ فريقه السياسي سيستطيع استعادة مجد الترسيم البحري في ظلّ الشغور الرئاسي. ” بدّنا نروق” ونعترف بوجود رئيس في بعبدا وهو يطبّق الدستور اللبناني وسلاح في المفاوضات المادّة 52 من الدّستور.
وفي هذه المسألة وقاحة سياسية غير مسبوقة، إذ لا يزال هذا الفريق يتصرّف وكأنّه المتحكّم بقواعد اللعبة اللبنانية، فيما هو الفريق نفسه الذي قاد البلاد إلى الانهيار، وفتح الأرض اللبنانية أمام الاحتلال والحروب والدمار. المفارقة أنّ هذا الفريق يستسهل التفاوض حين لا يكون بيد رئيس الجمهورية، لكنه يرفضه عندما لا يكون تحت سيطرته السياسية المباشرة.
قانون العفو العام، تسوية إنسانية أم قنبلة سياسية مؤجّلة؟
يشهد المجلس النيابي غدًا جلسة للجان المشتركة بهدف إقرار مشروع العفو العام، وسط أجواء توحي بأنّ القوى السياسية تتّجه نحو محاولة التوصّل إلى تسوية في هذا الملف، انطلاقًا من اعتبارات إنسانية ضاغطة، أبرزها الواقع الكارثي داخل السجون اللبنانية، ولا سيما في سجن رومية. لكنّ السيناريوهات المطروحة متعددة، وأبرزها أنّ العفو لن يشمل المحكومين بجرائم ضد الجيش اللبناني، وهي مسألة تبدو شبه محسومة بالنسبة إلى غالبية اللبنانيين.
وفي هذا الإطار، عاد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي ليذكّر بضرورة أن يشمل قانون العفو اللبنانيين الذين لجأوا إلى إسرائيل بعد انسحاب عام 2000. ويأتي موقف الراعي هنا بوصفه موقفًا وطنيًا بامتياز، لأنّ هذه القضية لا تخصّ المسيحيين وحدهم، بل تشمل فئات لبنانية متعددة، فيما تبقى نسبة المسيحيين فيها الأقل.
ومن هذه المظلومية تحديدًا انطلقت أساسًا فكرة اقتراح قانون العفو، وهو ما ناقشه أيضًا عدد من النواب الذين زاروا فخامة رئيس الجمهورية أمس، حيث جرى التشديد على ضرورة أن يكون القانون شاملًا للجميع، لا أن يتحوّل لاحقًا إلى مادة للاستثمار السياسي والانتخابي.
ولعلّ لبنان يعيد هنا إنتاج مشهد شبيه بما جرى بعد الحرب الأهلية عام 1991، حين تحوّل قانون العفو يومها إلى محاولة لإقفال الحرب سياسيًا، لكنّه فتح في المقابل أبوابًا واسعة أمام أزمات العدالة والمحاسبة التي لا تزال البلاد تدفع ثمنها حتى اليوم. فهل سيحمل هذا القانون أيضًا في طيّاته أزمات حول العدالة والمحاسبة ليعود لبنان ويدفع الأثمان؟
المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، تقدّم تقني… وجدار سياسي
هذا الأسبوع أيضًا سيشهد جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، لكن مع تبدّل واضح في طبيعة الوفدين، إذ يترأس الوفد اللبناني السفير اللبناني، سيمون كرم، إلى جانب ملحق عسكري، في مؤشر إلى محاولة إعطاء المفاوضات طابعًا دبلوماسيًا – تقنيًا أكثر منه سياسيًا مباشرًا.
فتبدّل شكل الوفود المفاوضة يؤشّر إلى تحقق تقدّم نسبي، لكن العقدة الأساسية لا تزال تتمثّل في مطلب إسرائيل نزع سلاح حزب الله بالكامل بوصفه شرطًا لتثبيت وقف إطلاق النار. في المقابل، يعتبر الجانب اللبناني أنّ هذه القضية شأن داخلي تتولّى الدولة اللبنانية معالجته، ويطالب أولًا بتثبيت وقف إطلاق النار، ثم البحث لاحقًا في ملفات الانسحاب التدريجي، وانتشار الجيش اللبناني، وما يتصل بذلك من ترتيبات أمنية وسياسية.
لكنّ الإسرائيليين، ومعهم الأميركيون، يدركون تمامًا أنّ الدولة اللبنانية عاجزة عمليًا عن تنفيذ هذا الشرط بالقوة، ما يجعل هذه المفاوضات تسير فوق حقل ألغام سياسي وأمني بالغ التعقيد. ولهذا تبدو واشنطن أمام معضلة حقيقية: فهي تريد تسوية كبرى، لكنها تدرك في الوقت نفسه أنّ تحقيقها يتطلّب دعمًا مباشرًا للدولة اللبنانية، وربما دعمًا ميدانيًا على الأرض، وهو خيار لا تزال كلفته السياسية والأمنية مرتفعة جدًا، إن لم تكن مستحيلة حتى اللحظة. ولعلّ هذا ما سيمنح الاسرائيلي ضوءًا أخضر للتصعيد !
دمشق من جديد، هل تبدأ التسويات من بوابة الطاقة؟
في الملف اللبناني – السوري، بدأت الأنظار تتجه إلى زيارة رئيس الحكومة إلى دمشق ولقائه الرئيس السوري أحمد الشرع، للبحث في ملفات أساسية أبرزها: ملف الطاقة، والترانزيت، وملف النازحين السوريين. وبحسب معلومات خاصة، فإنّ هذه الملفات تشكّل أولوية بالنسبة إلى القيادة السورية، التي تبدو عازمة على الدفع نحو تسويات سريعة لما لذلك من مصلحة مباشرة للبلدين. ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، حين كانت دمشق تمسك بالمفاصل اللبنانية ـ- السورية بوصفها البوابة الإلزامية لأي حل اقتصادي أو أمني في المنطقة.
من يسيطر على هرمز… يملك مفاتيح العالم؟
أما دوليًا، فتتّجه الأنظار إلى اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي والرئيس الصيني، حيث يبدو أنّ الملف الإيراني سيكون في صلب المباحثات، نظرًا إلى قدرة بكين على التواصل المباشر مع طهران، باعتبار أنّ الصين تستورد أكثر من 80% من النفط الإيراني. وهذا ما يفسّر القلق الصيني المتزايد من استمرار الحرب، لأنّ أي اهتزاز طويل في الخليج سيعني تهديدًا مباشرًا للاقتصاد الصيني. لكنّ العقدة الحقيقية لا تكمن فقط في الملف النووي الإيراني، بل في السؤال الأخطر: من يسيطر على مضيق هرمز؟
فبالنسبة إلى إيران، يشكّل المضيق عنصر القوة الاستراتيجية الأكبر الذي يحوّلها من لاعب إقليمي إلى لاعب دولي، لأنّ الإمساك بممرّ الطاقة العالمي يمنحها قدرة هائلة على التأثير في الاقتصاد الدولي. أما بالنسبة إلى واشنطن، فإنّ ترك هرمز تحت النفوذ الإيراني يعني عمليًا منح الصين فرصة ذهبية لإنجاح مشروع “الحزام والطريق”، وضرب مشروع “ممر بهارات” المنطلق من الهند، والذي تراهن عليه الولايات المتحدة بوصفه البديل الاستراتيجي عن الطرق الصينية.
وهنا تعود البشرية إلى القاعدة القديمة نفسها: من يسيطر على التجارة… يسيطر على العالم. كما فعلت بريطانيا يوم سيطرت على البحار، وكما فعلت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية حين أمسكت بالممرات الدولية والطاقة والدولار معًا.
أوروبا تدخل المعركة، هل بدأت المواجهة الكبرى؟
في هذا السياق، يبدو أنّ الولايات المتحدة نجحت في دفع الأوروبيين إلى الانخراط تدريجيًا في هذه المواجهة، بعدما أرسلت فرنسا حاملة الطائرات “شارل ديغول”، فيما دفعت بريطانيا أيضًا بقطع بحرية لدعم التحالف الغربي. والهدف المعلن هو “حماية حرية الملاحة” في مضيق هرمز، لكنّ الهدف الفعلي يتجاوز ذلك بكثير إلى فرض السيطرة الغربية الكاملة على خطوط الطاقة والتجارة العالمية، ومنع إيران والصين من تحويل المضيق إلى نقطة تحوّل في ميزان القوى الدولي.
عليه، لا تبدو المعركة اليوم مجرد مواجهة عسكرية أو تفاوض نووي، بل صراعًا على شكل العالم المقبل. لا بل عودة واضحة إلى الزمن الأمبراطوري، ولكن من البوّابة الاقتصاديّة. فهل يبقى القرن أميركيًا؟ أم قد تنجح الصين بفرض قواعدها الجديدة على خرائط الطاقة والتجارة والنفوذ؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير