
كاتب ومحلل سياسي
بين مطرقة الالتزام العربي وسندان الاستعصاء الداخلي : لماذا تأخر السلام؟
قراءة في جدلية السيادة، التفاهمات الأمنية، وخيارات الشعوب
خاص بوابة بيروت
منذ إقرار قمة بيروت 2002 لـمبادرة السلام العربية، دخل لبنان في مفارقة سياسية معقدة، دولة ملتزمة نظرياً بالإجماع العربي، وعاجزة عملياً عن مقاربة هذا الالتزام بوصفه خياراً سيادياً قابلاً للنقاش.
ففي الوقت الذي تبنّت فيه الدولة اللبنانية رسمياً مبدأ “الأرض مقابل السلام”، تحوّل أي نقاش داخلي هادئ حول مستقبل العلاقة مع إسرائيل أو حول مفهوم السلام نفسه إلى مساحة تخوين جماعي، تُصادر فيها السياسة لحساب الغرائز، ويُجرَّم فيها التفكير بوصفه خروجاً عن “العقيدة التعبوية” لا عن الدستور.
المفارقة الأخطر أن لبنان، الذي شارك في صياغة المبادرة العربية، يبدو اليوم وكأنه غير قادر حتى على الاعتراف بالتزامه الرسمي بها، نتيجة فائض القوة الذي فرض معادلة “السلاح فوق الدولة”، وحوّل القرارات السيادية الكبرى إلى ملفات محظورة.
السلام، في جوهره السياسي والقانوني، ليس تنازلاً عن الحقوق، بل استعادة للدولة لوظيفتها الأساسية: حماية الحدود، حماية الإنسان، ومنع تحويل الأوطان إلى ساحات استنزاف دائمة.
المغالطة المؤسسة للأزمة، الخلط المتعمّد بين المفاهيم
تكمن إحدى أبرز أزمات الخطاب السياسي اللبناني في الإصرار المتعمّد على دمج ثلاثة مسارات مختلفة بالكامل، بهدف خلق حالة خوف جماعي من أي نقاش عقلاني:
أولاً: السلام والسيادة
السلام هو قرار سياسي وقانوني ينهي حالة الحرب بين الدول، ويؤسس لمرحلة جديدة من تثبيت الحدود والاعتراف المتبادل بالقواعد الدولية.
وهو، من حيث المبدأ، أداة لحماية الدولة من الحروب المفتوحة والاستنزاف الاقتصادي والأمني.
ثانياً: التفاهمات الأمنية
وهي ترتيبات واقعية وتقنية تلجأ إليها الدول لحماية مصالحها ومنع الانفجار العسكري، حتى بين الخصوم. هذا النوع من التفاهمات قائم في مناطق نزاع عديدة حول العالم، ولا يعني بالضرورة قبولاً سياسياً كاملاً أو تطابقاً أيديولوجياً.
ثالثاً: التطبيع الشعبي والثقافي
وهو شأن مختلف تماماً، يتعلق بقناعة المجتمعات وذاكرتها الجماعية ومواقفها الوجدانية.
التطبيع لا يمكن فرضه بقرار رسمي، كما لا يمكن منعه بمرسوم تعبوي. فالعلاقة بين الشعوب تُبنى تاريخياً وثقافياً، لا أمنياً فقط.
إن الخلط بين هذه المسارات الثلاثة لم يكن بريئاً في التجربة اللبنانية، بل استُخدم كأداة لتعطيل أي تفكير استراتيجي في مستقبل الدولة، عبر تصوير كل نقاش حول السلام وكأنه دعوة تلقائية للاستسلام أو محو الذاكرة الوطنية.
النموذج المصري، السلام الرسمي والقطيعة الوجدانية
تُقدّم مصر نموذجاً سياسياً بالغ الدلالة في فهم العلاقة المعقدة بين الدولة والمجتمع في قضايا السلام.
فمنذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد، استعادت الدولة المصرية كامل أراضيها وسيادتها على سيناء، وأعادت ترتيب أولوياتها الأمنية والاستراتيجية.
لكن هذا السلام الرسمي لم يتحول تلقائياً إلى اندماج وجداني أو ثقافي بين الشعبين.
بقيت “المسافة النفسية” قائمة، واستمر جزء واسع من الرأي العام المصري في رفض التطبيع الثقافي والشعبي، ما يؤكد حقيقة سياسية أساسية، الدول تُبرم الاتفاقات لحماية مصالحها العليا، أما الشعوب فهي وحدها من يملك حق تحديد شكل العلاقة الثقافية والوجدانية.
هذه التجربة تكسر السردية التي تروّج لفكرة أن أي اتفاق سلام يعني بالضرورة ذوبان الهويات أو إسقاط الحق في الاعتراض السياسي والثقافي.
اقتصاد الحرب، من يخشى قيام دولة مستقرة؟
السؤال المركزي الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا يُراد للسلام أن يبقى “تابو” سياسياً وثقافياً في لبنان؟
الجواب لا يرتبط فقط بالصراع مع إسرائيل، بل ببنية داخلية كاملة نشأت على ديمومة التوتر والفوضى. فهناك منظومات سياسية وأمنية واقتصادية تستمد شرعيتها ونفوذها من بقاء لبنان ساحة مفتوحة لا دولة مستقرة.
إن قيام دولة طبيعية، تحتكر قرار الحرب والسلم، يعني عملياً:
- انحسار دور السلاح الموازي لصالح المؤسسة العسكرية الشرعية.
- انتقال الاقتصاد من منطق التهريب والاقتصاد الأسود إلى الاستثمار والشفافية.
- تحوّل المواطن من “جندي دائم في معركة مفتوحة” إلى شريك فعلي في التنمية والإنتاج.
- إعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي كدولة خدمات ومبادرات وانفتاح، لا كساحة صراع إقليمي.
لهذا السبب، يتحول مجرد النقاش في مستقبل السلام إلى “جريمة فكرية” لدى بعض القوى، لأن أي استقرار حقيقي يهدد البنية العميقة لاقتصاد الحرب والهيمنة السياسية القائمة على الخوف.
إن مصادرة حق اللبنانيين في مناقشة خياراتهم السيادية ليست دفاعاً عن المقاومة، بل إلغاء فعلي للديمقراطية وحق المجتمع في تقرير مستقبله.
لبنان بين منطق الدولة ومنطق الساحة
يقف لبنان اليوم أمام مفترق تاريخي حاسم. فالانهيار المالي، تفكك المؤسسات، هجرة الشباب والكفاءات، وتآكل الثقة الدولية، ليست أزمات منفصلة عن الواقع الأمني والسيادي المعلّق.
لا يمكن بناء اقتصاد منتج في دولة غير مستقرة.
ولا يمكن جذب الاستثمارات أو إعادة الثقة فيما قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية.
لقد دفع اللبنانيون، على مدى عقود، كلفة تحوّل بلدهم إلى “ساحة بريد” لتصفية الحسابات الإقليمية. واليوم، بات السؤال أكثر إلحاحاً: هل يريد لبنان أن يكون دولة طبيعية أم منصة صراع دائمة؟
إن الالتزام بـمبادرة السلام العربية ليس خروجاً عن الإجماع العربي، بل عودة إليه.
وهو لا يعني التخلي عن الحقوق الفلسطينية أو القبول بالظلم التاريخي، بل إعادة تموضع لبنان ضمن منطق الدولة والقانون والمؤسسات، بعيداً عن منطق المحاور المفتوحة والحروب العبثية.
السلام كخيار سيادي لا كشعار عاطفي
السلام ليس مرادفاً للاستسلام، كما أن الحرب ليست قدراً مقدساً.
الدول القوية هي التي تبحث عن حماية شعوبها واستقرارها واستمرارية مؤسساتها، لا تلك التي تُبقي مجتمعاتها رهينة الحروب المفتوحة والانهيارات الدائمة.
أما التطبيع، فسيبقى شأناً شعبياً وثقافياً وإنسانياً، تحدده ذاكرة الشعوب وتجاربها وقناعاتها، لا المراسيم السياسية ولا الشعارات التعبوية.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الانقسام حول الشعارات، بل إلى نقاش سيادي ناضج يعيد تعريف مصلحة الدولة بعيداً عن التخوين والابتزاز العاطفي.
فالأوطان لا تُبنى على الحروب الدائمة، بل على القدرة في اتخاذ قرارات تاريخية تحمي الإنسان والدولة معاً.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير