جولة افتراضية في رأس ترامب بين رأسماليته ومجتمعاتنا…

خاص بوابة بيروت

مع غروب كل شمس واختفاء أعباء النهار من أدمغتنا كصور ذهنية، أضحت طقوس الترقب هي الحالة العامة لمن يراقب صولات وجولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. لعل الرجل، بماضيه وما حواه من قوالب رأسمالية، لا يعرف منها إلا ما شهدناه في العراق من أسلافه الجمهوريين، أو حتى من تسليم المنطقة لإيران ومحاسبتها لاحقاً كأنها أساءت لهذه الوديعة.. لن أخوض بهذا الآن فهذا مبحث مختلف، ولكن الرجل حقيقة مدار بحث يختزل صوراً لم نرها بهذا الوضوح منذ زمن “سياسة تكسير العظام” التي اعتمدها رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي المُغتال.

يختار الرجل كلمات بسيطة لا تتطلب الغوص كثيراً في مخزونه الغني بالفوقية التي تتلاطم فوق سماء بلداننا في المشرق مع فوقية الفرس، لتتساقط لاحقاً على رؤوسنا.. كشظايا لهذه المعركة، فيمهد للعقول العربية التي اعتادت أن تكون محنطة منذ زمن المناذرة والغساسنة.

تغريدات هذا الرجل وحسمها، وحتى تناقضها، هي مقياس لا يجب أن يغفل عنه، ولا السير وراء التفسيرات والتحليلات التي يطالعنا بها كثيرون، وأبرزهم محللوا المحور، رغم سخافة طرح ترامب وتغليب لغة “رجل العصابة الأبيض” أو حياة “راعي البقر الأمريكي” أو ولايات الوسط الأمريكية الأقل شأناً، كعرف أمريكي.

منذ أن بدأ الرجل فترته الرئاسية الثانية، والعين تنتظر ما قد يصدر عنه، والأقلام تترقب أن ينفجر حبرها بالتحليلات والنشرات بضيوفها من جهابذة الشاشات.. وترامب بالمقابل يحترف تلوين الأمر على غير حقيقته. مناكفته لبايدن ولأوباما من قبله لم يكن سوى افتتاحية تعريفية؛ فالرجل، رغم تخبط الإداريين عنده بسبب شخصيته وقراراته، لم يستطع أن يخفي عن الأمريكيين ماضيه الذي بدأ بظهور إعلامي يختزل الحلم الأمريكي بشخصه، مروراً بإعلان إفلاسه أربع مرات، واختاماً بما ظهر من ملفات أبستين.

قرب الرجل من حياة المجون ومن أجواء التحرر والانفكاك الأخلاقي الغربي سهل وصوله لعالمنا العربي المختلف بطبيعة الحال. فترامب لا يمثل الصيغة الرئاسية التي يمثلها كلينتون أو بوش الأب او حتى الابن كصورة على الأقل؛ فكانت صورته ذهنياً لدى الأمريكيين بالمقام الأول، وشعوب بلداننا أقرب للعرف الأمريكي المروج له. هذا الأمر أوجد قبولاً لتصرفاته، ولو غلفت بآراء غير راضية تصل إلى وسمه بخادم الصهيونية الأول بعد قرار نقل السفارة وإذعانه لنتنياهو بضرب إيران، الأمر الذي حاول اللوبي اليهودي في البيت الأبيض تمريره مراراً منذ زمن بوش الأب.

ورط الرجل نفسه بعديد القضايا التي أخذ زمام المبادرة للعمل عليها وإنهائها، كما كان مساعداً ينفذ ويعطي صورة تبرئ أصحاب الأخطاء الشنيعة، أمثال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي عمل على تغيير صورته بعيون العالم عبر تسويق فكرة رفع العقوبات الأمريكية “السريع” عن سوريا، ولعله بهذه أو غيرها من شبيهاتها يبحث عن موطئ قدم في شاسع الصحارى العربية.

مخرجات بلداننا في السياسة والاقتصاد، وانشغال الأمر بالمجتمع، يكرس ضعف وهوان الصورة التي نصدرها عنا، سواء بقياساتنا نحن أو بتعدي الأمر للآخر العربي أو الغربي. وهذا الأمر ليس مستغرباً بعد تصدر حسابات مواقع التواصل للمعلومة وتلقيها، حتى أن ترامب نفسه كُذب عليه من منصات احترفت تلميع صورتها ليؤخذ “علم الشيء” عنها، ولكن المال ببعده السياسي تمكن بطبيعة الأمر؛ لأن العجلة التي ما توقفت عن تغيير مساراتها هي التي وجهت بوصلة المجتمع المراقب لا المبادر، كما المجتمع الاستهلاكي لا المنتج.

من الإجحاف إسناد الضعف لهذا التبعية؛ فالأمر مأصل بضعف المرد عندنا. فنحن -المشرقيون- ما عدنا نستشرف مستقبلنا بناءً على معطياتنا، فأضحينا كمن باع آخرته.. ولكن لا بندياه، بل بدنيا غيره.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك