
مدير التحرير
دولة لا تحاكم الفساد… تبحث فجأة عن الرحمة
خاص بوابة بيروت
يعود ملفّ العفو العام بقوّة إلى واجهة الحياة السياسية، وليس من البوابة القضائيّة – القانونيّة وحسب، بل انطلاقًا من اختبار للتوازنات الطائفيّة، وفي فصل جديد من امتحان لهذه السلطة، وفي رسالة واضحة إلى الشارع السني بعد سنين من الشعور بالغبن السياسي والتهميش.
في حين أنّ بعض الفئات السياسيّة تبحث عن عفو انتقائيّ يمكن توظيفه في مراحل لاحقة في الميدان السياسي.
مقابل ذلك كلّه، تخشى بعض الفئات السياسيّة من أن تعود سياسية تدوير الزواية في هذا الملفّ بالتحديد تحت ستار المصالحة.
هذه الدّولة التي على ما يبدو تستعمل الذرائع الانسانيّة بهدف البحث عن الرّحمة المؤسّسيّة فيما بعضهم يرى في هذا القانون وكأن هذه الطبقة السياسيّة تبحث عن عفو نفسها بنفسها.
ففي الجلسة التي كان يُفترض أن تُشكّل محطة حاسمة لإقرار الصيغة النهائية لقانون العفو العام أُرجئت فجأة، بعدما انفجرت التباينات حول ملفات حساسة، أبرزها:
- ملف الموقوفين الإسلاميين
- الجرائم المرتبطة بالإرهاب والاعتداء على العسكريين
- تخفيض الأحكام الثقيلة
- حدود العفو ومن يُستثنى منه
واللافت أنّ رئيس الجمهورية جوزاف عون دخل مباشرة على خط المشاورات عبر اجتماع في بعبدا ضم نوابًا من كتل مختلفة، في محاولة لتدوير الزوايا والوصول إلى صيغة مقبولة. لكن الاجتماع نفسه فتح باب اشتباك سياسي جديد، بعدما اعتبر بعضهم أنّ الملف انتقل من مجلس النواب إلى القصر الجمهوري، ما أثار امتعاض رئيس المجلس نبيه بري وأدى عمليًا إلى تأجيل الجلس.
مقابل ذلك، لا زال المفاوض الايراني يسعى بكلّ ما أوتي من قوّة إلى ربط المسارات الديبلوماسيّة مع لبنان ظنًّا منه أنّه قد يستطيع تعويض ورقة القوّة التي كان يمتلكها في ميدانه العسكري الدّاخلي بورقة ديبلوماسيّة خارج حدوده. وفي الوقت عينه لا توفّر منظّمة حزب الله أي جهد في إعادة إنتاج السلاح الذي تملكه سياسيًّا.
ما يعني عمليّة تسييل دستوريّ لهذا السلاح. وهذه مسألة مرفوضة جملة وتفصيلًا، ولا يمكن القبول بها من أي فريق لبنان لأنّها تطيح بكلّ التوازنات التي نشأت على أسسها الجمهوريّة الثانية بعد الطائف، على هشاشتها.
وعلى وقع تلك التطوّرات جاء الردّ من الرئيس الأميركي الذي لم يعجبه الرّدّ الايراني، وهذا يعني عمليًّا العودة إلى نقطة الصفر. ما يؤكّد أنّ أميركا قد تلجأ إلى حلّ من اثنين، إمّا الضغوط الاقتصاديّة المفرطة التي تكلّف إيران قرابة نصف مليار دولار يوميًّا من الخسائر، وإمّا إلى استعمال القوّة المفرطة بهدف الاجهاز على ما تبقى. ولا سيّما بعد نجاح الأميركي بجذب الفرنسي والبريطاني إلى معركة هرمز. وقد تكون بوّابة التحرّك الايراني من الدّاخل الحلّ الأقلّ ضررًا على الشعي الايراني كلّه، كي لا تتحوّل الجمهوريّة الاسلاميّة في إيران إلى عراق “Pro Max”.
ولعلّ خطّة منظمة حزب الله في هذه المرحلة تكمن في محاولة الانتقال من فائض القوة العسكرية إلى حماية النفوذ عبر المؤسسات. وهذا ما يفسّر الانقضاض على الدّولة العميقة بكلّ قوّة المحور الايراني عبر اقتناص المراكز الاداريّة المفاتيح في الوزارات بغضّ النّظر عن شخص الوزير.
وهذا كلّه يندرج في سياق الانتقال من مشروع المقاومة إلى مشروع البقاء على حساب الدّولة المركزيّة التي نجحت منظّمة جزب الله بالتعاون مع كرافات دولة الرئيس برّي بتحويل الدّولة المركزيّة إلى دولة عميقة بالكامل خدمة لمشروعه الايديولوجيّ.
أمام هذا الواقع لا يمكن الانكار بأذنّ المنطقة تغيّرت… لكن الحزب لا يزال يتصرف كأن الزمن توقّف عند 2006. والمؤسف في هذه النّظرة أنّ لبنان بأكمله هو الذي سيدفع الثمن. وهذا ما سبق وحذّرنا منه مرارًا وتكرارًا.
وممّا لا شكّ فيه أنّ مواقف بعض الساسة في لبنان لا زالت تراهن على إعادة تعريب الملفّ اللبناني، فيما يرى بعضهم الآخر انّ هذه المسألة راهنًا تبدو مستحيلة، لأنّ الرئيس الأميركي يقدّم فرضة وحيدة للبنان الدّولة.
إن تمكّنت هذه الدّولة من تلقّفها فهي حتمًا ستنتقل من حالة الحرب السرمديّة إلى حالة السلام المستدام. وكما كان لحالة الحرب السرمديّة نتائجها السلبيّة، كذلك سيكون لنظريّة السلام المستدام نتائجها الايجابيّة.
فلبنان الدّولة في هذه المرحلة لم يعد ساحة صراع فقط… بل صار جائزة ترضية في الشرق الأوسط الجديد. لكنّ لااشكاليّة التي قد تطرح من سيكون الفائز بهذه الجائزة؟
حين يصبح عدم الانفجار الاقتصادي إنجازًا وطنيا، تحتفل السلطة اللبنانيّة بإنجازها هذا.
مقابل دخول البلاد حالة من النكران. لا حرب ولا سلام. لا انهيار كامل ولا نهوض، فيما يبدو أنّ فخامته يعمل بحكمة على كيفيّة إدارة هذه الأزمة. فيما لبنان لا ينهار دفعة واحدة… بل يتآكل كدولة مهجورة. فهل يتسارعون لبناء جمهوريّات لبنانيّة تنبثق من روحيّة ترجمة الواقع المجتمعي التعدّدي؟
فلبنان الذي نجا من الحرب… قد لا ينجو من التسويات الكبرى.
وهنا يكمن خوف القوى السياديّة التي لطالما ترقّبت هذه اللحظة المصيريّة. فالتسويات غالبًا ما تُسقط الدول الضعيفة لا الحروب فقط. فالخطر الحقيقي الذي سنواجهه ليس في الانهيار الذي يبشّروننا به، بل في حالة جديدة من الاعتياد عليه وصولًا إلى حدّ “التمسحة”.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير