
رئيس التحرير
بين لجان دمشق وغارات الجنوب : أيّ مستقبل ينتظر لبنان؟
خاص بوابة بيروت
وسط تقاطعٍ إقليميٍّ شديد الحساسيّة بين مسارات الحرب والتسويات، يدخل لبنان مرحلةً سياسيةً وأمنيةً جديدة تبدو مفتوحةً على احتمالاتٍ معقّدة، تبدأ من دمشق ولا تنتهي عند الحدود الجنوبية الملتهبة.
زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى العاصمة السورية ولقاؤه بالرئيس السوري أحمد الشرع لم تأتي في سياقٍ بروتوكوليٍّ عابر، بل حملة أبعادًا سياسية تتجاوز العنوان الثنائي التقليدي بين لبنان وسوريا، لتلامس التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة، في ظلّ إعادة ترتيب موازين القوى والانخراط الدولي المتزايد في ملفات الحدود والأمن والطاقة واللاجئين. وفي خلفية هذا المشهد، يبدو واضحًا أن لبنان يحاول إعادة تموضعه داخل الخارطة الإقليمية الجديدة، بعدما تحوّلت الملفات الحدودية والأمنية إلى جزءٍ من التفاوض الدولي الأوسع حول مستقبل المنطقة، ما يدفع بيروت إلى محاولة تجنّب العزلة السياسية والاستعداد مبكرًا لتحولات قد تعيد رسم النفوذ في المشرق.
إعلان تشكيل لجان وزارية مشتركة لمعالجة الملفات العالقة بين البلدين، من ترسيم الحدود إلى ملف النازحين والتنسيق الأمني والاقتصادي، أعاد فتح النقاش الداخلي حول طبيعة المرحلة الجديدة في العلاقة اللبنانية – السورية، خصوصًا أن هذه الخطوة جاءت في توقيتٍ إقليمي بالغ التعقيد، حيث تتحرّك العواصم الدولية والإقليمية على خط إنتاج تسوياتٍ جديدة تتصل بالحرب الدائرة في المنطقة وبمستقبل النفوذ السياسي والعسكري فيها. لذلك، لم تُقرأ الزيارة بوصفها خطوة تقنية لمعالجة الملفات العالقة فحسب، بل باعتبارها مؤشرًا على محاولة إعادة تنظيم العلاقة بين بيروت ودمشق ضمن شروط المرحلة الجديدة، في وقتٍ تتزايد فيه الضغوط الدولية على لبنان لمعالجة الملفات المزمنة بسرعة، خشية تحوّلها إلى عناصر تفجير إضافية في ظلّ هشاشة الوضع الإقليمي.
بالتوازي مع هذا الحراك السياسي، عاد الجنوب اللبناني إلى واجهة التصعيد العسكري بعد الغارة التي شنّها جيش العدو الإسرائيلي على بلدة السكسكية كما استهداف سيارات مدنية في العديد من المناطق ومنها شمال نهر الليطاني، والتي أدت إلى سقوط قتلى وجرحى، في مشهد أعاد إلى الأذهان المخاوف من توسّع المواجهة العسكرية وانهيار قواعد الاشتباك القائمة منذ بدء وقف إطلاق النار.
هذا التصعيد لم يُفصل عن المناخ السياسي المحيط بالمفاوضات والتحركات الدولية، إذ تتحدث تقارير سياسية وإعلامية عن اتصالات غير مباشرة تقودها واشنطن لبحث ترتيبات أمنية وسياسية جديدة على الحدود الجنوبية، تشمل ملفات وقف إطلاق النار وآليات ضبط الميدان ومستقبل الانتشار العسكري في المنطقة الحدودية. ومع تزامن التصعيد الميداني مع الحراك الدبلوماسي، تبدو المنطقة وكأنها تدخل مرحلة اختبار سياسي وعسكري في آنٍ معًا، حيث تُستخدم الضغوط الميدانية لتحسين شروط التفاوض وفرض وقائع جديدة على الأرض قبل الوصول إلى أي تسوية محتملة.
التطورات الأخيرة وضعت لبنان مجددًا تحت ضغط الأسئلة السيادية الكبرى، مع تصاعد الحديث داخليًا وخارجيًا عن ملف سلاح “حزب الله” ودور الدولة اللبنانية في الإمساك بالقرار الأمني والعسكري. هذا النقاش يتزامن مع ضغوط أميركية وأوروبية متزايدة لدفع لبنان نحو مقاربة جديدة للواقع الأمني في الجنوب، وسط مؤشرات إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد محاولات جدية لفرض معادلات سياسية وأمنية مختلفة، سواء عبر التفاوض أو عبر الضغط الميداني والاقتصادي. وفي ظلّ التحولات الإقليمية الأخيرة، عاد ملف سلاح “حزب الله” ليصبح محورًا أساسيًا في أي مقاربة دولية لمستقبل لبنان، خصوصًا مع تزايد القناعة الغربية بأن استقرار الجنوب بات مرتبطًا بإعادة تعريف دور الدولة وحدود القرار العسكري خارج مؤسساتها الرسمية، الأمر الذي ينذر بمواجهات سياسية داخلية أكثر تعقيدًا خلال المرحلة المقبلة.
الصحف اللبنانية الصادرة السبت عكست بوضوح حجم القلق الداخلي من المرحلة المقبلة، حيث تصدّرت أجواء التصعيد العسكري والمخاوف من توسّع الحرب المشهد الإعلامي، بالتزامن مع الحديث عن محادثات مرتقبة في واشنطن تتصل بالملف اللبناني. غير أن الجانب الأخطر يبقى في تدهور الواقع الإنساني والمعيشي، مع استمرار النزوح وتفاقم الأزمة الاقتصادية، ما يضع البلاد أمام مشهدٍ شديد الهشاشة، تتداخل فيه الحسابات الدولية مع الانقسامات الداخلية، فيما يبدو لبنان عالقًا بين نار الحرب وضغوط التسويات الكبرى التي تُرسم على مستوى المنطقة بأكملها. ومع استمرار الانهيار المالي واستنزاف مؤسسات الدولة، يصبح لبنان أكثر عرضة للضغوط الخارجية وأقل قدرة على حماية استقراره الداخلي، بينما يهدد تزايد النزوح وتراجع الخدمات الأساسية بتحويل الأزمة الراهنة إلى أزمة بنيوية طويلة الأمد قد تعيد تشكيل الواقع الاجتماعي والسياسي اللبناني لسنواتٍ مقبلة.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير