حين يصبح التعاطف تهمة

بقلم خلود وتار قاسم

@kholoudwk

المطلوب اليوم أن نكمل حياتنا بمرحها وسهرها واستهلاكها وكأن شيئاً لا يحدث، بينما أهلنا يُقتلون يومياً وتُدمَّر بيوتهم وأرزاقهم وأرضهم. وكأن الجنوب أو البقاع أو أي منطقة تُستهدف ليست جزءاً من هذا الوطن الممتد على ١٠٤٥٢ كلم²، بل أرض بعيدة لا تشبهنا ولا تعنينا.

الأخطر من الحرب نفسها، هو محاولة جعل الناس تعتاد على المأساة.

أن يصبح التعاطف “مبالغة”، والغضب من الظلم “تشاؤماً”، والمطالبة بمحاسبة المعتدي “إزعاجاً للمشهد العام”. وكأن المطلوب من الإنسان أن يقتل إحساسه كي يثبت أنه “يحب الحياة”.

لكن أي حياة هذه التي تُبنى على اللامبالاة؟ وأي وعي هذا الذي يجعل الإنسان يشاهد صور الأطفال والدمار ثم يكمل يومه وكأن الأمر مجرد خبر عابر بين إعلان وفيديو ترفيهي؟

ما يحدث أخطر من مجرد حرب عسكرية. نحن أمام حرب على الوعي نفسه.

حرب تهدف إلى تفكيك الشعور الجماعي، وتحويل الناس إلى أفراد منشغلين فقط بنجاتهم الشخصية، غير معنيين بما يحدث حولهم. لأن المجتمع الذي يفقد تعاطفه، يصبح مجتمعاً هشاً وسهل السيطرة.

يريدون للناس أن تتعب من الحزن، أن تعتاد المشاهد، أن تفقد الصدمة تدريجياً، حتى يصبح الدم عادياً والظلم خبراً يومياً بلا أثر. وهذه أخطر مرحلة يمكن أن يصل إليها أي شعب، حين يموت الإحساس قبل أن يموت الوطن.

لا أحد يرفض الحياة أو الفرح وسط هذا الجحيم، فالناس تتمسك بالأمل كي تستطيع الاستمرار. لكن هناك فرق كبير بين أن نحب الحياة… وبين أن نتخلى عن إنسانيتنا.

فرق بين أن نبحث عن لحظة فرح، وبين أن نُدرَّب على الصمت واللامبالاة.

الوطن ليس مجموعة مناطق منفصلة، ولا موسماً نعيش فيه عندما تكون الظروف مناسبة. الوطن الحقيقي يظهر عندما نشعر أن وجع أي أم في هذا البلد هو وجعنا جميعاً، وأن أي اعتداء على جزء من الأرض هو اعتداء على الكرامة الوطنية كلها.

المجتمعات لا تُهزم فقط بالقنابل، بل عندما تنجح القوى المسيطرة بتحويل الناس إلى متفرجين على مأساتهم. وعندما يصبح الصمت “حكمة”، واللامبالاة “نضجاً”، والتعاطف “ضعفاً”… نعرف أننا دخلنا مرحلة خطيرة جداً.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك