
خبير متميّز في الإدارة السياسية والاستشارات
خاص بوابة بيروت
منذ أن دخل لبنان في أخطر أزمة عرفها في تاريخه الحديث، لم يتوقف اللبنانيون عن سماع المصطلحات نفسها. إصلاحات، تعافٍ اقتصادي، إعادة هيكلة، اتفاق مع صندوق النقد الدولي، مؤتمرات دعم، مساعدات دولية، وخطط متلاحقة لا تكاد تنتهي حتى تبدأ أخرى.
ومع مرور السنوات، بقيت هذه العناوين تتكرر في الخطابات الرسمية والبيانات الحكومية، بينما ظل الواقع يزداد تدهوراً، وكأن البلاد تدور في حلقة مفرغة لا تعرف طريقاً إلى الخروج.
وسط هذا المشهد، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن كل ما سبقه، بل ربما يشكل جوهر الأزمة اللبنانية بأكملها: أين الورشة الوطنية؟ أين مشروع إعادة بناء لبنان؟ وأين البرنامج الوطني الشامل الذي يجمع مؤسسات الدولة حول رؤية واحدة، ويحدد أولويات واضحة، ويترجمها إلى مشاريع تنفيذية، وجداول زمنية، ومؤشرات أداء، ومحاسبة حقيقية؟
إن ما يعيشه لبنان اليوم لم يعد أزمة عابرة يمكن إدارتها بالحلول المرحلية أو بالإجراءات المتفرقة. نحن أمام انهيار أصاب بنية الدولة نفسها، وهذا النوع من الأزمات لا يُواجه بإدارة يومية للأحداث، بل بمشروع وطني يعيد تأسيس الدولة على أسس جديدة، ويعيد بناء مؤسساتها، ويستعيد ثقة المواطن بها.
عندما واجهت دول عديدة أزمات وجودية، لم تكتفِ بإدارة تداعياتها، بل اعتبرتها نقطة انطلاق نحو مستقبل مختلف. ألمانيا، بعد الحرب العالمية الثانية، لم تنشغل بإدارة الخراب، بل أطلقت مشروعاً وطنياً لإعادة البناء. وسنغافورة لم تستسلم لغياب الموارد، بل وضعت رؤية لبناء دولة حديثة تقوم على الكفاءة والانفتاح والحوكمة.
أما كوريا الجنوبية، فقد حوّلت الفقر إلى قصة نجاح اقتصادي، والإمارات العربية المتحدة جعلت من التخطيط الاستراتيجي والابتكار ركيزتين لمسيرتها التنموية، فيما اختارت المملكة العربية السعودية أن ترسم مستقبلها من خلال رؤية 2030، ورواندا أعادت بناء مؤسساتها بعد واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في العصر الحديث.
قد تختلف ظروف هذه الدول، لكنها اشتركت جميعاً في حقيقة واحدة: امتلكت رؤية واضحة، وصاغت مشروعاً وطنياً، وأنشأت مؤسسات للتنفيذ، ثم بدأت العمل من دون انتظار اكتمال الظروف.
أما في لبنان، فما زلنا نعيش ثقافة الانتظار.
ننتظر التسويات السياسية، وننتظر الانتخابات، وننتظر المفاوضات، وننتظر أن تنتهي الحروب، وننتظر المبادرات الخارجية، وننتظر المساعدات الدولية، وكأن مستقبل الدولة مرهون دائماً بما سيقرره الآخرون.
لكن هل يحتاج إصلاح الإدارة العامة إلى نهاية الحرب؟ وهل يتطلب التحول الرقمي اتفاقاً سياسياً شاملاً؟ وهل تحتاج مكافحة الفساد إلى ضوء أخضر من الخارج؟ وهل يرتبط تطوير التعليم، أو تحديث الخدمات العامة، أو إعادة تنظيم مؤسسات الدولة، بتوازنات إقليمية؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فلماذا لا نرى ورشة إصلاح وطنية تنطلق من الداخل، وتعتمد على ما يملكه لبنان من كفاءات وإمكانات وخبرات؟
دولة الرئيس … لقد وعدتم اللبنانيين بورشة عمل وطنية، لكن ما ينتظره اللبنانيون اليوم ليس شعاراً جديداً، بل دولة تعمل.
يريد المواطن أن يعرف ما هي أولويات الحكومة اليوم والمرحلة القادمة، وما هي المشاريع الوطنية التي ستغيّر حياة الناس، وما هي الأهداف التي ستتحقق خلال أربع سنوات، ومن هو المسؤول عن تنفيذها، وكيف ستُقاس النتائج، وكيف ستتم محاسبة المقصرين.
في الدول الحديثة، لا تُقاس الحكومات بعدد المؤتمرات الصحفية أو البيانات السياسية، بل بعدد المشاريع التي أنجزتها، والإصلاحات التي نفذتها، والثقة التي أعادتها إلى المواطنين. والمشكلة أن كثيراً من اللبنانيين باتوا يشعرون بأن الدولة تحولت إلى غرفة انتظار كبيرة. كل شيء مؤجل، وكل ملف مرتبط بظروف خارجية، وكل قرار ينتظر لحظة سياسية مناسبة.
لكن الاقتصاد لا ينتظر، والمؤسسات لا تنتظر، والاستثمارات لا تنتظر، والشباب الذين يغادرون لبنان كل يوم لا ينتظرون، والدول التي تنافسنا في المنطقة لا تنتظر.
فهل تملك الجمهورية فعلاً ترف الانتظار، فيما الزمن يعمل ضدها في كل يوم؟
إن الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه الحكومات المتعاقبة هو التعامل مع الإصلاح بوصفه مجموعة إجراءات منفصلة، بينما يحتاج لبنان إلى ما هو أعمق بكثير.
إنه يحتاج إلى برنامج تحوّل وطني متكامل، يبدأ برؤية طويلة المدى، ويتضمن خطة اقتصادية شاملة، وبرنامجاً لتحديث الإدارة العامة، ومشروعاً للتحوّل الرقمي، واستراتيجية لإعادة بناء المؤسسات، وخطة لتنمية رأس المال البشري، وبرنامجاً لجذب الاستثمارات، وإطاراً وطنياً لقياس الأداء الحكومي، ووحدة مركزية تتولى متابعة التنفيذ والتأكد من تحقيق النتائج.
بمعنى آخر، يحتاج لبنان إلى حكومة تعمل كمنظومة واحدة، لا كمجموعة وزارات تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى.
وهنا، يبقى السؤال الذي يطرحه اللبنانيون اليوم بكل وضوح: ما الذي يمنع إطلاق هذه الورشة الوطنية؟
إذا كانت الحكومة تدرك حجم الانهيار، فلماذا لا تبدأ؟ وإذا كانت تمتلك الصلاحيات الدستورية، فلماذا لا تتحرك؟ وإذا كانت مقتنعة بضرورة الإصلاح، فلماذا لا تطلق مشروعاً وطنياً يوازي حجم الأزمة التي يعيشها اللبنانيون؟
لقد أصبح من الصعب إقناع الناس بأن المسؤولية تقع دائماً على الآخرين، لأن الحكومات لا تُشكَّل لتراقب الأزمات، بل لتقود عملية الخروج منها. والقيادة الحقيقية لا تعني انتظار الظروف المثالية، بل اتخاذ القرار والعمل رغم كل التعقيدات.
والحقيقة التي ربما يتجنب كثيرون الاعتراف بها هي أن لبنان لا يحتاج فقط إلى خطة تعافٍ اقتصادي، ولا إلى إصلاحات مالية متفرقة، ولا إلى مساعدات خارجية جديدة. إنه يحتاج إلى مشروع جمهورية جديدة؛ مشروع يعيد تعريف دور الدولة، ويعيد بناء مؤسساتها، ويستعيد ثقة المواطنين بها، ويحدد بوضوح أين سيكون لبنان بعد عشرين عاماً، وما هو موقعه الاقتصادي والسياسي والإقليمي، وكيف سيصل إلى هناك.
فالدول الناجحة لا تنتقل من أزمة إلى أزمة، بل من رؤية إلى إنجاز، ومن مشروع إلى مشروع، ومن مرحلة إلى مرحلة. أما الدول التي تكتفي بإدارة يومياتها، فإنها تبقى أسيرة أزماتها مهما تغيرت الحكومات وتبدلت الوجوه.
دولة الرئيس،
بعد سنوات طويلة من الانهيار، لم يعد اللبنانيون يسألون كم حكومة تشكّلت، ولا من عطّل من، ولا من يتحمل مسؤولية الماضي. هذه الأسئلة، على أهميتها، لم تعد تغير واقعاً ولا تبني مستقبلاً.
السؤال الذي ينتظر اللبنانيون إجابته اليوم هو سؤال واحد، أين هي الورشة الوطنية التي وعدت بها؟ وأين مشروع إعادة بناء لبنان؟ وأين الفريق الحكومي الذي يعمل ليل نهار وفق خطة واضحة لإعادة بناء الدولة؟
أين البرنامج التنفيذي الذي يحوّل الوعود إلى نتائج، والخطابات إلى مشاريع، والطموحات إلى إنجازات؟
وأين الشعور بالإلحاح الذي يفترض أن يرافق أكبر أزمة عرفتها الجمهورية اللبنانية منذ قيامها؟
لقد تعب اللبنانيون من إدارة الأزمات، ومن الوعود المؤجلة، ومن انتظار الحلول التي لا تأتي.
ما يحتاجه لبنان اليوم ليس خطاباً جديداً، بل مشروعاً وطنياً كبيراً يعيد الأمل، ويستعيد الثقة، ويمنح اللبنانيين سبباً للإيمان بأن دولتهم لا تزال قادرة على النهوض.
فالتاريخ لا يتذكر الحكومات التي نجحت في إدارة الأزمات، بل يتذكر الحكومات التي امتلكت الشجاعة لتبني الأوطان، وتكتب فصولاً جديدة في تاريخها.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير