
إعلامي وباحث
خاص بوابة بيروت
لم يتعظ الباحث الأول عن صورة الانتصار -نتنياهو- من كل جولاته التي بدأت باستعداء وانتقام متأخر من حركة “حماس”بحسب ما تسرب من الإعلام العبري بعد أيام من هجمات السابع من أكتوبر وصولاً إلى محاولاته ترميم هذه الصورة بعد مكالمته الأخيرة مع ترامب.
ما شهدناه من اسرائيل و آلة قتلها ليس وليد هذه المرحلة بمشهدية استهدافات قادة حزب الله وحماس في غزة أو خارجها وقبها اهل غزة.. غير أن وصول الصورة وتداعياتها وطريقة تقديم المعلومة “انتصار على الظلم”، “استهداف ناجح”، “انتقام من مخرب” -بحسب إعلامهم- يستثمر في تثبيت صورة الانتصار دون ذكر لفظ الانتصار، على عكس غريمهم الفارسي ووكلائه الذين احترفوا استخدامها.
صور الميركافا التي ظهرت تحترق وتنفجر من زواياها المختلفة بمقذوفات رخيصة لم يكن هو فقط مدار الاهتمام، إنما كانت صور الميركافا التي احترقت في اليوم الأول لهجمات السابع من أكتوبر هي الأهم.. ولم تكن ضربات القسام للميركافا لاحقاً إبان الغزو البري سوى تأكيداً على صورة الميركافا التي تحترق وخلفها شروق شمس يوم السابع من أكتوبر.
ثم اتت المشاهد التعريفية بحرب سنعرفها لاحقيا باسم “حرب الإسناد” زوايا اكثر خضرة ينطلق منها صاروخ الكورنيت.. طبيعة لبنانية تختلف عن الغزاوية تحاكي عين المشاهد الذي ينتظر ان يرى اهتزازات الكاميرا بعد صوت الاطلاق لما يعيد يذكر “بأمجاد” قديمة سرعان ما استبدلت بضربات البيجر و قادة الحزب.
لم تفلح محاولات نتنياهو في غزة.. السرية عالية لدى حماس.. الاختراقات بحاجة الى وقت.. طائرات التجسس الأمريكية و البريطانية لم تحقق المطلوب الى الآن.. اذا الهروب الى الأمام و استجلاب صورة النصر قبل اتمام الذكرى السنوية الأولى..فكانت مشهدية لبنان.
لعل هذا مما مهّد لقبول نوع الانتصار الذي حققته هيئة تحرير الشام بمعارك حلب تحديدا ولاحقاً عبر استخدامها مسيّرات “الشاهين”.. لماذا وصفت الحالة حينها بنوع الانتصار؟ أحسب أن قبول الفكرة لدى المشاهد العربي كان تدريجياً، خصوصاً بعد انفتاح العرب على نظام بشار وعودته إلى الجامعة العربية، الأمر الذي مهّد للأذهان عودة السلم إلى سوريا -أو ما روّج له على أنه سلم- وبالنتيجة رفضاً لأي “عمل عسكري” يبعد سوريا عن السلام، وهو ما استثمره “الشرع” وصولاً إلى أصحاب الصورة الجديدة ممن اصطُلح على تسميتهم بالمؤثرين، و لاحقا بتغيير الهوية البصرية للدولة حتى على الصعيد الشخصي لصورة الحاكم فيها.
استهدافات القادة في حزب الله وحماس في ضاحية بيروت الجنوبية، وضربة البيجر لاحقاً، وصولاً إلى يوم 23 سبتمبر 2024، يومها بلغت الغارات الإسرائيلية 1600 غارة، وتتابع الضربات وصولاً إلى استهداف نصر الله وتبعه السنوار.. هذا كله يدور في فلك الصورة وما تعنيه وما تستثمره إسرائيل لتقدمه كما تريد هي.
أبرز ما استهدف بالحزب كان رمزية العمامة السوداء و ما تعني لدى البيئة.
كان تحييد نصرالله وهاشم صفي الدين، تأكيداً لبدأ “شرق أوسط جديد دون العمامة السوداء وما تمثل من زمن القوة والتمكين وحضور الموروث الكربلائي و تاريخ مشهود بين الطرفين على الأقل بعيدا عن صورة الحزب في الداخل اللبناني، و بالمقابل حضرت العمامة البيضاء بسماحتها تارة و بركاكتها إعلامياً تارة أخرى.. لعل أهل التخصص في إسرائيل كانوا يبنون على هذا النوع من التصريحات لاستثمارها وإظهار ضعف الحزب عبر نقضها بمشاهد ميدانية من المسيرات الإسرائيلية التي تنجز على الأرض و صور قلعة الشفيف و غيرها، وعليه ابني على ان الرجل ليس هدفا عندهم.. على الأقل الآن.
ادّعت إسرائيل طيلة الحرب هوان أمر حزب الله ونصر الله، وأنه عدو لا يستطيع أن يجابه آلة الإنتقام الإسرائيلية، وسخّرت الصورة لهذا.. غير أن الباحث في حقيقة ما قاله الإعلام العبري الرسمي وحسابات منصة تيليجرام تؤكد العكس، فكانت التصريحات و اعلان خبر نجاح الاغتيال تتوالى على سياق اختفاء توتر “الساعة الخامسة” الذي كان يصيب المستوطنين قبل إطلالاته المتلفزة.
لعل الصورة هي التي يجب أن تحاكم كباقي مجرمي الحرب -لأنها الغاية والوسيلة- نراها اليوم أيضاً في كلمات نتنياهو التي تلتف على رغبة ترامب بتوقف الهجمات على لبنان، فيلمّح بأن الضربات التي يوجهها الحزب لإسرائيل مصدرها بيروت والضاحية.. و هذا امر سيستمر ولو تغيرت الشخوص و الاحداث..
هو هوان الأمر إذاً.. والصورة ليست سوى رافعة لصناعة الوهم، ربما يرى من يستطيع توظيفها أنها أداة تأثير بحاجة إلى عوامل محيطة كثيرة لا يمتلكها كل أطراف النزاع على الأرض اليوم، رغم ضيق هذا الأفق..إلا مدعوم برغبة سرعة الوصول الى المعلومة و الرغبة بسرعة تصديقها و تبنيها كواقع -بقصد راحة البال من كثرة التفكير فيما هو آت و بالتالي سرعة تقبل رغم السخط .. حالة تشبه الاستنعاج.
و المجتهد وسط كل هذا هو من يغرق جمهور عدوه بصوره لتصله رسالته التي يريد ولو لم يتبناها المستهدف.. ولكن يكون قد حقق شرط ألفتها و توقع القادم بريبة و حذر.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير