من باريس إلى بيروت : الخطوة الأولى باتجاه السلام بدأت

بقلم د. أحمد ياسين – خاص بوابة بيروت

في زمن تتكاثر فيه الأسئلة الكبرى حول مصير لبنان، وتضيق فيه مساحة النقاش الحر داخل البلاد، بدا انعقاد الندوة التي استضافتها العاصمة الفرنسية باريس تحت عنوان “لبنان بين السلام والحرب: شرعية الدولة ودور المجتمع المدني” أشبه بمحاولة جريئة لكسر جدار الصمت وإعادة طرح السؤال الذي يتهرب منه كثيرون: إلى أين يتجه لبنان؟

رغم كل الصعوبات والعراقيل التي أحاطت بهذا اللقاء، نجح المشاركون في الوصول إلى باريس، ليس لمجرد حضور ندوة سياسية جديدة تضاف إلى عشرات الندوات التي تعقد حول الشأن اللبناني، بل لإطلاق نقاش عميق حول مستقبل بلد يبدو اليوم عالقًا بين مشروعين متناقضين: مشروع الدولة ومشروع السلاح، مشروع السلام ومشروع الحرب.

بدعوة من رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الفرنسي، برونو فوكس، وبمشاركة النائبة كاترين إيبليد ممثلة حزب “معًا من أجل الجمهورية”، اجتمع عدد من الصحفيين والإعلاميين والناشطين والمؤثرين اللبنانيين القادمين من خلفيات مختلفة، لكنهم حملوا هاجسًا واحدًا: كيف يمكن إنقاذ لبنان من دوامة الصراعات التي استنزفته لعقود بفعل سيطرة نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عليه، وحولته إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية؟

رسالة الترهيب التي سبقت اللقاء

لم يكن من قبيل المصادفة أن تصلني قبل يوم واحد فقط من انعقاد الندوة نسخة عن حكم غيابي صادر عن المحكمة العسكرية اللبنانية يقضي بسجني خمسة عشر عامًا مع تجريدي من حقوقي المدنية.

قد يختلف اللبنانيون حول السياسة، وقد يتنافسون على البرامج والرؤى، لكن من الصعب على أي مراقب محايد أن يفهم كيف يمكن أن يقود فيديو منشور على منصة يوتيوب إلى حكم بهذه القسوة.

الفيديو الذي نشرته أواخر عام 2024 لم يكن دعوة إلى العنف، ولا تحريضًا على الحرب، بل كان نداءً لحماية الآثار اللبنانية في بعلبك بعد استهداف محيطها خلال الحرب. طالبت يومها بإعادة تفعيل الحماية الدولية للموقع الأثري وبأن تتولى الدولة اللبنانية وجيشها مسؤولية حماية هذا الإرث الحضاري الإنساني.

مر عام ونصف على نشر الفيديو، ولم يصدر الحكم خلال هذه الفترة كلها، لكنه صدر قبل ساعات فقط من انعقاد اجتماع سياسي في باريس يضم شخصيات معارضة لهيمنة حزب الله على القرار اللبناني وداعية إلى وقف الحرب والسلام.

هل هي مصادفة؟ ربما.

لكن سلسلة الوقائع الأخرى تجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها مجرد تزامن بريء.

فقد استُدعي عدد من المشاركين في الندوة للتحقيق قبل أيام من سفرهم، بينما واجه آخرون عراقيل مرتبطة بالحصول على التأشيرات، رغم أنهم سبق أن حصلوا على تأشيرات شنغن في مناسبات سابقة دون أي مشاكل.

كل هذه الوقائع ترسم صورة واحدة: هناك من يخشى قيام إطار سياسي لبناني جديد، خصوصًا داخل البيئة الشيعية، يعارض مشروع حزب الله ويطرح رؤية مختلفة لمستقبل البلاد.

الدولة العميقة التي تحكم لبنان

المشكلة الأساسية التي يواجهها لبنان اليوم لا تكمن فقط في وجود أزمة اقتصادية أو انهيار مالي أو فساد إداري، بل في وجود واقع سياسي يجعل مؤسسات الدولة عاجزة عن ممارسة دورها الطبيعي.

فلبنان، نظريًا، دولة ذات مؤسسات دستورية، ولديه رئيس وجيش وقضاء وحكومة وبرلمان. لكن الواقع العملي يكشف عن وجود دولة موازية أو “دولة عميقة” تمتلك من النفوذ ما يسمح لها بالتأثير على القرار السياسي والأمني والقضائي.

في مثل هذا الواقع، يصبح من الممكن أن يتحول الرأي السياسي إلى جريمة، وأن يتحول الناشط إلى متهم، وأن يصبح التعبير عن موقف مخالف سببًا للملاحقة والترهيب.

الأخطر من ذلك أن المواطن اللبناني بات يشعر أحيانًا بأن القانون لا يُطبق وفق معايير العدالة، بل وفق موازين القوى السياسية.

ومن هنا تنشأ أزمة الثقة الكبرى التي تضرب المجتمع اللبناني: أزمة الثقة بالدولة نفسها.

أين الشيعة اللبنانيون؟

من أكثر الأسئلة التي طُرحت خلال الندوة أهمية وحساسية سؤال يتعلق بدور الشيعة اللبنانيين في المرحلة المقبلة.

لفترة طويلة نجح حزب الله في تقديم نفسه ممثلًا وحيدًا للطائفة الشيعية، إلى درجة أن أي صوت معارض داخل هذه البيئة كان يُنظر إليه وكأنه استثناء أو حالة فردية.

لكن السنوات الأخيرة أظهرت واقعًا مختلفًا.

هناك شريحة متزايدة من الشيعة اللبنانيين ترى أن مصالحها ومستقبل أبنائها ومستقبل لبنان ككل لا يمكن أن يبقى رهينة مشاريع إقليمية أو صراعات عسكرية مفتوحة.

هذه الشريحة لا تبحث عن مواجهة مع أحد، بل عن استعادة الدولة.

لا تريد أن تكون شيعية ضد أحد، بل شيعية لبنانية أولًا.

لا تريد أن تكون جزءًا من محور عسكري، بل جزءًا من دولة طبيعية يعيش فيها المواطن تحت سلطة القانون لا تحت سلطة السلاح.

الطريق إلى الإنقاذ: مهمتان لا ثالث لهما

كثرت في لبنان المؤتمرات والحوارات والأوراق السياسية والمبادرات، لكن جوهر الأزمة يمكن اختصاره بمهمتين أساسيتين.

الأولى هي نزع كل سلاح خارج إطار الشرعية اللبنانية وحصر السلطة الأمنية والعسكرية بالدولة وحدها، عبر مؤسساتها الدستورية وجيشها وقواها الأمنية.

فلا يمكن بناء دولة حقيقية بوجود سلطتين، ولا يمكن تطبيق القانون بوجود مرجعيتين، ولا يمكن قيام ديمقراطية مستقرة بوجود سلاح يعلو على المؤسسات.

أما المهمة الثانية فهي الانتقال من منطق الحرب الدائمة إلى منطق السلام.

لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة نتيجة الحروب المتعاقبة. خسروا أرواحًا وفرصًا واستثمارات ومستقبل أجيال كاملة.

واليوم بات السؤال مشروعًا: ما الذي جلبته عقود الصراع للبنان سوى المزيد من الانهيار؟

إن السلام ليس استسلامًا كما يحاول البعض تصويره، بل هو خيار سيادي يهدف إلى حماية الإنسان اللبناني وفتح آفاق التنمية والاستقرار والازدهار.

فلا اقتصاد ينهض في ظل الحرب، ولا سياحة تزدهر تحت القصف، ولا استثمارات تأتي إلى بلد يعيش على حافة الانفجار الدائم.

من باريس الشرق إلى سويسرا الشرق

لطالما وُصف لبنان بأنه “باريس الشرق”، لكن ربما يكون الوصف الأدق لمستقبله المنشود هو أن يصبح “سويسرا الشرق”.

فالدول المتعددة الطوائف والأعراق لا تزدهر من خلال الانخراط في الصراعات، بل عبر الحياد والاستقرار واحترام التنوع.

لبنان لا يحتاج إلى أن يكون قاعدة متقدمة لأحد، ولا ساحة مواجهة لأحد.

يحتاج فقط إلى أن يكون لبنان.

بلدًا منفتحًا على الجميع، متصالحًا مع محيطه، وقادرًا على تحويل تنوعه الثقافي والديني إلى مصدر قوة بدل أن يبقى مصدر نزاع.

هذه هي الرسالة التي حملها المشاركون إلى باريس، وهي الرسالة التي يسعى كثير من اللبنانيين إلى إيصالها اليوم داخل البلاد وخارجها.

بداية الطريق

قد ينجح الترهيب في تأخير بعض الخطوات، لكنه لا يستطيع إلغاء الأفكار.

وقد تؤدي الأحكام السياسية والملاحقات والضغوط إلى إسكات بعض الأصوات مؤقتًا، لكنها لا تستطيع إلغاء الأسئلة التي يطرحها اللبنانيون كل يوم حول مستقبل وطنهم.

لقد كان اجتماع باريس خطوة أولى فقط.

خطوة صغيرة في مسار طويل وصعب، لكنها تعكس إرادة مجموعة من اللبنانيين الذين قرروا ألا يستسلموا للأمر الواقع، وألا يقبلوا بأن يبقى وطنهم أسير الحروب والصراعات.

الطريق ما زال طويلًا، والتحديات هائلة، لكن الأوطان لا تُبنى في يوم واحد، بل تبدأ دائمًا بفكرة، ثم بموقف، ثم بخطوة أولى.

وفي زمن اليأس اللبناني الكبير، قد تكون أهم رسالة خرجت من باريس أن هناك من لا يزال يؤمن بأن لبنان يستحق فرصة جديدة.

فرصة ليعود دولة لا ساحة.

وطنًا لا جبهة.

وجسرًا للحياة لا خطًا دائمًا للحروب.

عندها فقط، قد يعود بلد الأرز كما حلم به أبناؤه دائمًا: وطنًا للحرية والسلام والدولة.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك