
صحافي استقصائي وباحث في حقوق الانسان
قضية ماريا معلوف تكشف هيمنة “حزب الله” على المحكمة العسكرية لقمع الأصوات المعارضة للنفوذ الإيراني
حين تصبح الكلمة جريمة ويصبح الرأي تهمة
خاص بوابة بيروت
في الدول التي تحترم القانون، تُواجَه الآراء بالأفكار، وتُفنَّد المواقف بالحجج، ويُحتكم إلى القضاء المدني المستقل عند وقوع أي نزاع يتعلق بالنشر أو التعبير. أما عندما يُستدعى الصحفي أو الإعلامي إلى محكمة عسكرية بسبب رأي أو مقابلة إعلامية أو موقف سياسي، فإن القضية لا تعود مجرد نزاع قانوني، بل تتحول إلى اختبار حقيقي لمستوى الحريات العامة واستقلال القضاء وسيادة القانون.
إن الحكم المتداول بحق الإعلامية اللبنانية الحرة ماريا معلوف، وما سبقه من ملاحقات أمام المحكمة العسكرية اللبنانية على خلفية نشاط إعلامي وتصريحات سياسية، يثير أسئلة عميقة تتجاوز شخصها لتطال مستقبل حرية الصحافة في لبنان، وطبيعة العلاقة بين القضاء والسلطة السياسية والأمنية، وحدود اختصاص المحاكم العسكرية في دولة يفترض أنها ديمقراطية.
حرية الرأي ليست جريمة
ينص الدستور اللبناني في المادة 13 على أن حرية إبداء الرأي قولًا وكتابة، وحرية الصحافة والطباعة والاجتماع وتأليف الجمعيات، مكفولة ضمن دائرة القانون.
كما أن لبنان طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تنص المادة 19 منه على حق كل إنسان في اعتناق الآراء دون مضايقة، وحقه في حرية التعبير ونقل المعلومات والأفكار بمختلف الوسائل.
أما المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فتؤكد بصورة واضحة أن لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأي وسيلة كانت.
وعليه، فإن المبدأ القانوني الدولي المستقر يعتبر أن التعبير عن الرأي السياسي، مهما كان مثيرًا للجدل أو صادمًا للبعض، لا يجوز أن يكون سببًا للمحاكمة أمام قضاء استثنائي أو عسكري.
لماذا تُعتبر محاكمة الإعلاميين أمام القضاء العسكري إشكالية قانونية؟
المحاكم العسكرية وُجدت أساسًا للنظر في الجرائم ذات الطابع العسكري أو المرتبطة بالقوات المسلحة والأمن القومي العسكري، وليس للفصل في القضايا الصحفية والإعلامية.
وقد انتقدت منظمات حقوقية دولية عديدة، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، مرارًا لجوء بعض الدول إلى محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، معتبرة أن ذلك يتعارض مع معايير المحاكمة العادلة واستقلال القضاء.
كما أكدت تقارير ومقررو الأمم المتحدة المختصون بحرية التعبير واستقلال القضاة أن الأصل هو محاكمة المدنيين أمام قاضيهم الطبيعي، وأن التوسع في اختصاص المحاكم العسكرية يشكل انتهاكًا للمبادئ الأساسية للعدالة.
ومن هذا المنطلق، فإن محاكمة إعلامي أو صحفي بسبب عمله المهني أمام محكمة عسكرية تثير تساؤلات جدية حول مدى توافق هذه الإجراءات مع الالتزامات الدولية للبنان.
أزمة الثقة في المحكمة العسكرية اللبنانية
لا يمكن فصل الجدل القانوني عن الواقع السياسي اللبناني المعقد.
فالمحكمة العسكرية اللبنانية كانت على مدى سنوات محور انتقادات واسعة من سياسيين ومحامين وحقوقيين لبنانيين ودوليين، بسبب ما اعتبروه توسعًا في اختصاصها ومحاكمة مدنيين وصحفيين وناشطين سياسيين.
كما أن آلاف اللبنانيين ينظرون بريبة إلى هذه المحكمة نتيجة اتهامات متكررة بأنها تتأثر بموازين القوى السياسية والأمنية السائدة في البلاد، وأنها لا تعمل دائمًا بالمعايير ذاتها في الملفات المرتبطة بالأطراف النافذة.
وتزداد هذه الشكوك عندما يتعلق الأمر بملفات تمس قضايا حساسة مرتبطة بسلاح حزب الله أو النفوذ الإيراني أو الانتقادات الموجهة إلى القوى المسلحة غير الخاضعة بالكامل لسلطة الدولة.
ولا يعني ذلك الجزم قانونيًا بوجود تدخل مباشر في كل قضية، لكنه يفسر حجم الجدل وفقدان الثقة الذي يحيط بأداء هذه المحكمة لدى قطاع واسع من الرأي العام اللبناني.
بين مقاومة الاحتلال وحرية الاختلاف السياسي
قد يختلف اللبنانيون والعرب حول تقييم سياسات إسرائيل أو إيران أو حزب الله أو أي طرف إقليمي آخر، وهذا حق مشروع في المجتمعات الديمقراطية.
لكن الخطر يبدأ عندما تتحول المواقف السياسية إلى معيار لتجريم الأشخاص أو حرمانهم من حقهم في التعبير.
فالمجتمعات الحرة لا تعاقب الأفراد لأنهم يتبنون رأيًا مخالفًا للسائد، بل تضمن حق الجميع في التعبير ضمن حدود القانون، ما دام ذلك لا يتضمن تحريضًا مباشرًا على العنف أو ارتكاب الجرائم.
ولهذا فإن مواجهة أي خطاب إعلامي يجب أن تكون عبر النقاش العام والرد الإعلامي والقضاء المدني المختص إذا اقتضى الأمر، لا عبر المحاكم الاستثنائية.
لبنان الذي نريده
لطالما قُدِّم لبنان بوصفه مساحة للحريات والتعددية الفكرية والإعلامية في العالم العربي.
وهذه الصورة لا يمكن الحفاظ عليها إذا أصبح الصحفيون والكتاب والباحثون يخشون الملاحقة العسكرية بسبب آرائهم السياسية.
إن الدفاع عن حق ماريا معلوف في محاكمة عادلة أمام قضاء مدني مستقل لا يعني بالضرورة الاتفاق مع كل مواقفها أو تصريحاتها، بل يعني الدفاع عن مبدأ أسمى: أن حرية التعبير حق لا يُمنح على أساس الانتماء السياسي، وأن العدالة لا يمكن أن تقوم على المحاكم الاستثنائية.
فإذا كان الرأي جريمة، فإن أول الضحايا لن يكون صحفيًا أو إعلاميًا بعينه، بل ستكون الحرية نفسها.
نداء إلى رئيس حكومة لبنان نواف سلام
دولة رئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام، بصفتكم رجل قانون وقاضيًا دوليًا سابقًا، وأحد أبرز الأصوات التي دافعت لعقود عن استقلال القضاء وسيادة الدولة واحترام الحقوق والحريات العامة، فإن قضية الإعلامية ماريا معلوف وما يرافقها من استخدام للمحكمة العسكرية في ملاحقة صحفيين وإعلاميين ومدنيين، تضع الحكومة اللبنانية أمام مسؤولية وطنية وقانونية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها.
إن لبنان الذي عرفه العالم منارةً للحريات وواحةً للتعددية الفكرية والثقافية لا يمكن أن يستعيد مكانته ما دامت المحاكم الاستثنائية تُستخدم للنظر في قضايا الرأي والتعبير، وما دام الصحفيون والكتاب والباحثون مهددين بالملاحقة أمام قضاء لم يُنشأ أصلًا للنظر في النزاعات الإعلامية أو السياسية.
إننا ندعو دولتكم إلى إطلاق مسار إصلاحي جاد يضع حدًا لمحاكمة المدنيين والصحفيين أمام القضاء العسكري، ويعيد حصر اختصاصه بالجرائم العسكرية البحتة، انسجامًا مع الدستور اللبناني والتزامات لبنان الدولية بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومبادئ الأمم المتحدة المتعلقة باستقلال القضاء والمحاكمة العادلة.
كما نأمل منكم اتخاذ موقف واضح وصريح دفاعًا عن حرية الرأي والتعبير، وعن حق اللبنانيين في انتقاد السياسات والأحزاب والقوى النافذة دون خوف من الملاحقة أو الترهيب، لأن بناء الدولة لا يتحقق إلا بسيادة القانون، ولا تستقيم العدالة إلا عندما يكون جميع المواطنين متساوين أمام قضاء مستقل ومحايد، بعيدًا عن أي نفوذ سياسي أو حزبي أو مسلح.
إن التاريخ لا يتذكر الذين صمتوا أمام تقييد الحريات، بل يتذكر الذين دافعوا عنها في أصعب اللحظات. واليوم، يتطلع اللبنانيون إلى أن تكون حكومتكم جزءًا من مسار استعادة الدولة ومؤسساتها، لا مجرد شاهد على استمرار الممارسات التي ساهمت في إضعاف الثقة بالعدالة وبمفهوم الدولة نفسها.
في الختام…
إن القضية المطروحة اليوم ليست قضية ماريا معلوف وحدها، بل قضية كل صحفي وكاتب وناشط وصاحب رأي في لبنان. فالدولة التي تسمح بمحاكمة الكلمة أمام القضاء العسكري تفتح الباب أمام تآكل الحريات العامة وتراجع الثقة بالمؤسسات القضائية.
إن احترام الدستور اللبناني والمواثيق الدولية يقتضي حصر اختصاص القضاء العسكري بالجرائم العسكرية البحتة، وضمان مثول الصحفيين والإعلاميين أمام قاضيهم الطبيعي، بعيدًا عن أي ضغوط سياسية أو أمنية أو حزبية.
فالكلمة الحرة قد تُزعج أصحاب النفوذ، لكنها تبقى حجر الأساس في أي دولة تحترم القانون، وتحمي الديمقراطية، وتصون كرامة الإنسان وحقه في التفكير والتعبير دون خوف أو ترهيب.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير