
كاتب سياسي
هل يجرؤ اللبنانيون على الانتظار ٥٠ سنة اخرى؟
خاص بوابة بيروت
لطالما عرف اللبنانيون في تاريخهم محطات ضائعة، وفرصًا ذهبت مع الريح لأن البعض تردد، والبعض الآخر خاف، فيما اختار آخرون الرهان على أوهام القوة بدل قوة الدولة. أما اليوم، فإن لبنان يقف أمام لحظة نادرة قد لا تتكرر قبل خمسين عامًا أخرى.
في إطلالاته المتكررة، يبدو نعيم قاسم أشبه بظاهرة صوتية أكثر منه قائدًا قادرًا على تغيير الوقائع. فالكلمات شيء، وصناعة الأحداث شيء آخر. والخطابات التي كانت يومًا تُحدث صدىً واسعًا لم تعد قادرة على حشد الجماهير كما في السابق، ولا على فرض المعادلات التي كان الحزب يفاخر بفرضها على الداخل اللبناني.
لقد أثبتت الوقائع خلال السنوات الأخيرة أن القوة الحقيقية لا تُقاس بعدد الخطب ولا بحدة الشعارات، بل بالقدرة على الإنجاز وتحقيق النتائج. وعندما يصبح الخطاب أعلى من الفعل، تتحول القوة إلى صورة، والصورة إلى ذكرى، والذكرى إلى عبء على أصحابها.
والحقيقة التي باتت واضحة للكثير من اللبنانيين أن السلاح خارج إطار الدولة لم يعد يقدم حلولًا للبنان، بل أصبح جزءًا من أزماته. فالدول لا تُبنى بازدواجية السلطة، ولا تستقر بوجود مرجعيتين، ولا تزدهر حين يكون القانون نافذًا في منطقة وغائبًا في أخرى.
لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة نتيجة هذه المعادلة المختلة. انهار الاقتصاد، وتراجعت الاستثمارات، وهجرت الكفاءات البلاد، وتآكلت المؤسسات، فيما بقي المواطن اللبناني يدفع الفاتورة وحده.
اليوم، ولأول مرة منذ عقود، تبدو الأرضية السياسية والإقليمية والدولية مهيأة لإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الواحدة والسلطة الواحدة والقانون الواحد. وهذه ليست أمنية أو شعارًا، بل ضرورة وطنية لا بديل عنها.
إن دعم الحكومة اللبنانية في بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية ليس انحيازًا لحزب ضد حزب، ولا لطائفة ضد أخرى، بل هو انحياز للبنان نفسه. فحين يصبح القانون فوق الجميع، يربح الجميع. وحين تصبح الدولة المرجعية الوحيدة، يشعر كل مواطن بأنه متساوٍ في الحقوق والواجبات.
التجارب حول العالم واضحة. فلا دولة نجحت وفي داخلها جيوش متعددة وقرارات أمنية متناقضة. ولا اقتصاد ازدهر في ظل سلطات متنافسة. ولا مجتمع استقر عندما كان السلاح أقوى من المؤسسات.
لهذا فإن مسؤولية اللبنانيين الأحرار اليوم تاريخية. المطلوب ليس التفرج ولا انتظار الآخرين، بل الوقوف خلف الدولة ومؤسساتها، ومنحها الدعم السياسي والشعبي والمعنوي لتطبيق القوانين على جميع الأراضي اللبنانية ومن دون استثناءات.
إن الفرص التاريخية لا تطرق الأبواب مرتين. وما هو متاح اليوم قد لا يكون متاحًا غدًا. وإذا ضاعت هذه اللحظة، فقد يحتاج لبنان إلى عقود طويلة قبل أن تتوافر ظروف مشابهة.
لقد جرّب اللبنانيون دولة ضعيفة فدفعوا الثمن. وجربوا تعدد مراكز القرار فدفعوا الثمن. وحان الوقت لتجربة الخيار الوحيد الذي لم يُمنح الفرصة الكاملة، دولة قوية، عادلة، سيدة على أرضها، يحتكم فيها الجميع إلى القانون، ويكون فيها الوطن فوق الجميع.
هذه ليست معركة حكومة، ولا معركة عهد، ولا معركة فريق سياسي. إنها معركة لبنان نفسه.
ومن يفوّت هذه الفرصة، قد لا يشهد فرصة أخرى في حياته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير