القانون رقم 38/2026: نقلة نوعية في إدارة النفايات الصلبة في لبنان

خاص بوابة بيروت

في الخامس من كانون الثاني 2026، صدر القانون رقم 38 القاضي بتعديل المادة 28 من القانون رقم 80 الصادر بتاريخ 10 تشرين الأول 2018، والمتعلق بالإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، ونُشر في العدد الثالث من الجريدة الرسمية بتاريخ 15 كانون الثاني 2026.

يشكّل هذا التعديل التشريعي محطة مفصلية في مسار إدارة النفايات الصلبة في لبنان، بعد سنوات من التعثر في تنفيذ القانون الأساسي لعام 2018، ولا سيما في ما يتعلق بآليات التمويل واسترداد الكلفة وتفعيل مبدأ “الملوِّث يدفع”.

الإطار القانوني والخلفية التشريعية

يُعدّ القانون رقم 80/2018 المرجعية القانونية الأساسية للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة في لبنان. وقد وضع هذا القانون إطاراً شاملاً لتنظيم القطاع، مستنداً إلى أحكام قانون حماية البيئة رقم 444 الصادر عام 2002، وقانون الانضمام إلى معاهدة بازل لتنظيم حركة النفايات الخطرة.

ويهدف القانون إلى تحقيق جملة من الأهداف الرئيسية، أبرزها: التخفيف قدر الإمكان من كمية النفايات المعدّة للتخلص منها، وتسهيل إدارة النفايات الصلبة، وتشجيع تدويرها وإعادة استعمالها، بالإضافة إلى وضع إطار مؤسساتي ومالي يقوم على مبدأ استرداد الكلفة.

وقد حددت المادة 28 من هذا القانون مصادر تمويل الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، إلا أن هذه المادة بقيت غير مفعّلة عملياً لسنوات، مما حدّ من قدرة البلديات على تطوير خدماتها.

وجاء القانون رقم 38/2026 لسد هذه الثغرة، مانحاً البلديات واتحادات البلديات صلاحية استيفاء رسوم خدمات جمع النفايات المنزلية الصلبة ونقلها، وفق آليات تهدف إلى تعزيز تطبيق الإدارة المتكاملة للنفايات من خلال تخفيف إنتاجها، وفرزها من المصدر، وإعادة استخدامها وتدويرها.

وقد أكد المجلس الدستوري، في قراره الصادر بتاريخ 26 شباط 2026، دستورية القانون، وردّ الطعن المقدّم ضده، مما عزّز شرعيته القانونية ومهّد لتطبيقه على نطاق وطني.

آليات الرسوم والجداول التصنيفية

اعتمد القانون إطاراً مرناً لاحتساب الرسوم، بحيث تُحدَّد وفق نوع المؤسسة، واستعمال المبنى، ومساحته، وعدد شاغليه، على أن تضع كل بلدية جداولها الخاصة ضمن الحدود الدنيا والعليا التي حددها القانون.

وتشمل الرسوم مختلف الفئات السكنية والتجارية والسياحية والصناعية والخدماتية، بما يضمن توزيع الكلفة بصورة أكثر عدالة بين المستفيدين من الخدمة.

كما أظهرت التجارب الأولية لبعض البلديات أن هذه الرسوم ليست جديدة بالكامل، إذ كانت تُستوفى بصيغ مختلفة خلال السنوات الماضية، إلا أن القانون الجديد منحها إطاراً قانونياً موحداً وواضحاً.

أبرز ملامح القانون

أولاً: تعزيز دور البلديات

يمنح القانون البلديات صلاحية إدارة عمليات جمع النفايات ونقلها بصورة مباشرة أو عبر التعاقد مع جهات متخصصة، مما يعزز اللامركزية الإدارية ويزيد من فعالية الخدمات المحلية. وقد نوقش هذا التعديل في لجنة البيئة النيابية بهدف “تمكين البلديات من معالجة نفاياتها وكلفتها بالعملة الرائجة اليوم”.

ثانياً: الفصل بين الرسوم وشرعية الإشغال

أكد القانون أن استيفاء الرسوم لا يمنح أي شرعية للمباني أو الأنشطة المخالفة، ولا يُعتبر تسديد الرسم بمثابة تسوية قانونية لأي مخالفة قائمة.

ثالثاً: تعزيز الشفافية

ألزم القانون البلديات بإعداد جداول تكليف واضحة تتضمن بيانات العقارات والشاغلين والرسوم المستحقة، بما يضمن وضوح الإجراءات وعدالتها.

رابعاً: آليات التحصيل

أجاز القانون تطبيق إجراءات التحصيل الجبري والغرامات بحق المتخلفين عن الدفع وفقاً للقوانين المرعية الإجراء، بما يضمن استدامة الموارد المالية اللازمة لتشغيل القطاع.

الانعكاسات المتوقعة

مالياً: يوفّر القانون مورداً مالياً مستقراً للبلديات في ظل التحديات الاقتصادية الحالية، ويساعد على تغطية الكلفة الفعلية لإدارة النفايات الصلبة التي تُقدَّر بعشرات ملايين الدولارات سنوياً.

بيئياً: يعزز القانون مفاهيم الاقتصاد الدائري من خلال تشجيع الفرز من المصدر، وإعادة الاستعمال، وإعادة التدوير، والحد من الكميات المرسلة إلى المطامر.

قانونياً وإدارياً: يساهم في تنظيم العلاقة بين البلديات والمواطنين والشركات المشغّلة ضمن إطار قانوني واضح ومستدام.

التحديات أمام التطبيق

رغم أهمية القانون، لا تزال هناك تحديات أساسية، أبرزها:

– الحاجة إلى استراتيجية وطنية متكاملة لإدارة النفايات.
– تفاوت القدرات المالية والإدارية بين البلديات.
– ضعف ثقافة الفرز من المصدر لدى شريحة واسعة من المواطنين.
– الحاجة إلى تطوير البنية التحتية الخاصة بالفرز والتدوير والمعالجة.

من القانون إلى التطبيق: نموذج مجدلبعنا البيئي

انطلاقاً من روح القانون الجديد، لم تقتصر الجهود على الجانب النظري، بل انتقلت سريعاً إلى العمل الميداني، خاصة في منطقة الجرد الأعلى، التي تسعى إلى أن تكون نموذجاً وطنياً في تطبيق الإدارة المتكاملة للنفايات.

في هذا الإطار، نظمت بلدية صوفر لقاءً بيئياً موسعاً استضافت خلاله الخبير البيئي زياد أبي شاكر، بحضور رئيس البلدية الأستاذ وجيه شيا، وعدد من البلديات والفاعليات المحلية.

تم خلال اللقاء عرض أحدث النماذج اللبنانية والعالمية في الفرز من المصدر والاقتصاد الدائري، كما تم الاتفاق على تشكيل لجنة متابعة بيئية محلية تضم ممثلين عن البلديات والمهتمين بالشأن البيئي، لمتابعة تنفيذ القانون الجديد وتحويله إلى خطة عمل فعلية على الأرض.

كما تمت دراسة النماذج البلدية الناجحة في لبنان، ومن بينها تجربة “بيت مري أنظف”، التي تعتمد على الفرز الإلزامي من المصدر وتقسيم النفايات بين المواد العضوية والمواد القابلة للتدوير، وهو ما يشكل الركيزة الأساسية لأي نظام حديث لإدارة النفايات.

وفي خطوة ميدانية متقدمة، قام فريق العمل خلال هذا الأسبوع بزيارة ميدانية إلى مركز الفرز والتدوير في مجدلبعنا، للاطلاع على واقع المنشأة وتقييم قدرتها على دعم البلديات المحيطة.

أظهرت الزيارة أن معمل مجدلبعنا يمتلك عناصر مهمة تؤهله للعب دور إقليمي في خدمة منطقة الجرد الأعلى، حيث يضم:

– خط فرز ميكانيكي وسيور نقل للمواد.
– معدات خاصة بفرم بعض المواد القابلة للتدوير.
– مكابس لتجميع المواد وضغطها قبل نقلها.
– مساحات واسعة للتخزين والفرز.
– مبنى صناعياً جاهزاً وقابلاً للتوسع.
– ساحات خارجية تسمح باستقبال كميات أكبر وفرزها مستقبلاً.

وعلى الرغم من الحاجة إلى بعض أعمال التأهيل والتنظيم والتشغيل، فإن المركز بات قريباً جداً من الجهوزية، ما يجعله فرصة حقيقية لتطبيق القانون الجديد بصورة عملية وسريعة.

الفرز من المصدر: نظام الكيسين

يقوم النموذج المقترح لمنطقة الجرد الأعلى على اعتماد نظام مبسط وواضح للفرز من المصدر، يعتمد على كيسين فقط:

الكيس الأزرق: للمواد القابلة لإعادة التدوير، مثل البلاستيك، الورق، الكرتون، المعادن، والزجاج.

الكيس الأسود: للنفايات العضوية، وبقايا الطعام، والمواد غير القابلة للتدوير.

يُعد هذا النظام من أبسط النماذج العالمية وأكثرها نجاحاً، لأنه يسهّل مشاركة المواطنين ويخفض نسبة التلوث داخل المواد القابلة للتدوير.

الجدوى الاقتصادية

تشير المعطيات الأولية إلى أن كلفة معالجة الطن الواحد عبر الشركات المتعاقدة حالياً، مثل “ستي بلو”، تبلغ نحو 150 دولاراً أميركياً للطن.

أما في حال تشغيل معمل مجدلبعنا واستقبال نفايات البلديات المجاورة بعد فرزها من المصدر، فمن المتوقع تحقيق وفر مالي كبير نتيجة:

– خفض كلفة النقل بشكل كبير، لكون المعمل قريباً من مصادر النفايات.
– تقليل كميات النفايات المرسلة إلى المطامر.
– زيادة نسبة المواد القابلة للبيع وإعادة التدوير.
– الاستفادة من النفايات العضوية في مشاريع التسميد مستقبلاً.

هذا الوفر يمكن أن ينعكس مباشرة على البلديات والمواطنين من خلال تحسين الخدمات البيئية وتخفيف الأعباء المالية على المدى الطويل.

الخطوات المطلوبة

لإنجاح هذا النموذج، تعمل اللجنة البيئية المشتركة حالياً على إعداد خطة إقليمية متكاملة تشمل:

1. استكمال جهوزية معمل مجدلبعنا وتشغيله بصورة كاملة.
2. إطلاق حملات توعية واسعة حول الفرز من المصدر في جميع بلدات الجرد الأعلى.
3. تدريب العاملين في البلديات على آليات الفرز والجمع المنفصل.
4. إنشاء نظام موحد لجمع المواد العضوية بشكل مستقل عن المواد القابلة للتدوير.
5. نقل المواد القابلة للتدوير إلى مركز مجدلبعنا وفرزها وتجهيزها للبيع أو إعادة التصنيع.
6. تشجيع الصناعات المحلية المرتبطة بالتدوير وخلق فرص عمل خضراء للشباب.
7. تخفيض الكميات المرسلة إلى المطامر تدريجياً، بما ينسجم مع أهداف القانون الوطني.
8. إنشاء قاعدة بيانات إقليمية لقياس كميات النفايات ونسب الاسترداد والتدوير والتوفير المالي المحقق للبلديات.

إن القانون رقم 38/2026 لا يشكّل مجرد تعديل تشريعي، بل يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الإدارة البيئية المستدامة في لبنان، من خلال تمكين البلديات وتأمين التمويل اللازم لتطبيق مبادئ الإدارة المتكاملة للنفايات التي أرستها المادة 28 من القانون رقم 80/2018.

واليوم، ومع توافر الإرادة المحلية التي تجسدت في لقاءات التوعية وتشكيل اللجان البيئية، ووجود بنية تحتية واعدة مثل معمل مجدلبعنا، وتزايد الوعي البيئي لدى المواطنين، تصبح الفرصة حقيقية للانتقال من ثقافة الطمر والحرق إلى ثقافة الفرز والتدوير واسترداد الموارد.

فالبيئة النظيفة ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي شراكة بين المواطن والبلدية والمجتمع المحلي، تبدأ من المنزل، وتتجسد في السلوك اليومي، وتترجمها القوانين والمبادرات البيئية الرائدة.

ولعل منطقة صوفر والجرد الأعلى تمتلك اليوم فرصة حقيقية لتكون نموذجاً وطنياً يُحتذى به في تطبيق الإدارة المتكاملة للنفايات، وتحويل التحدي البيئي إلى قصة نجاح تنموية مستدامة.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك