اجتثاث الإدارة العامة في لبنان : الأسباب والتداعيات وسبل المعالجة
بقلم جوسلين يمّين – خاص بوابة بيروت
تُشكّل الإدارة العامة الركيزة الأساسية لعمل الدولة، إذ تضطلع بمهمة تنفيذ السياسات العامة وتأمين الخدمات للمواطنين وضمان استمرارية المرافق العامة. غير أنّ الإدارة العامة في لبنان تعرّضت خلال العقود الأخيرة لعملية تراجع ممنهجة أدّت إلى ما يمكن وصفه بـ”اجتثاث الإدارة العامة”، أي إضعاف بنيتها البشرية والمؤسساتية وتهميش دورها لمصلحة الزبائنية السياسية والتوظيفات غير النظامية والاستعاضة عن الكفاءات الإدارية بأشكال مختلفة من العمل الهش والمؤقت.
أولاً: مفهوم اجتثاث الإدارة العامة
يقصد باجتثاث الإدارة العامة تفكيك القدرات الإدارية للدولة وإضعاف المؤسسات الرسمية من خلال الامتناع عن رفدها بالموارد البشرية اللازمة، وعدم احترام قواعد التوظيف والترقية، وإضعاف أجهزة الرقابة، وتحويل الإدارة من مؤسسة قائمة على الكفاءة والحياد إلى جهاز خاضع للاعتبارات السياسية والطائفية.
ثانياً: مظاهر اجتثاث الإدارة العامة في لبنان
١- تجميد التوظيف وعدم ملء الشواغر
أدّت سياسات وقف التوظيف والإحجام عن إجراء مباريات دورية عبر مجلس الخدمة المدنية إلى ارتفاع معدلات الشغور، خصوصاً في الفئات الثالثة والرابعة والخامسة، ما انعكس سلباً على حسن سير المرافق العامة.
٢- هجرة الكفاءات الإدارية
ساهم الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019 في تراجع القيمة الفعلية للرواتب والأجور، الأمر الذي دفع أعداداً كبيرة من الموظفين الأكفاء إلى الاستقالة أوالاستياع وصولا الى طلب الاحالة على التقاعد أو حتى بأسوأ الاحوال الهجرة، ما أفقد الإدارة خبرات متراكمة يصعب تعويضها.
٣- التوسع في أشكال العمل غير النظامية
شهدت الإدارات العامة توسعاً في الاعتماد على المتعاقدين والأجراء ومقدمي الخدمات، في ظل غياب رؤية واضحة لإدماجهم ضمن هيكلية إدارية مستقرة، الأمر الذي أوجد تفاوتاً في الحقوق والواجبات وأضعف مبدأ الوظيفة العامة.
٤- تسييس الإدارة والطائفية السياسية
أدّى إخضاع التعيينات الإدارية للمحاصصة الطائفية والسياسية إلى تراجع معيار الكفاءة، وإلى تحويل بعض المواقع الإدارية إلى أدوات نفوذ للقوى السياسية، كما وتعيين القضاة والضباط في مراكز الفئة الأولى ما انعكس على استقلالية الإدارة وفعاليتها.
٥- إضعاف أجهزة الرقابة
ساهم الشغور في أجهزة الرقابة والتفتيش، وعدم تفعيل دور المؤسسات الرقابية، في إضعاف مبدأ المحاسبة وتعزيز مظاهر الفساد والهدر.
ثالثاً: أسباب اجتثاث الإدارة العامة
– غياب سياسة وطنية للإصلاح الإداري.
– التدخلات السياسية والطائفية في شؤون الوظيفة العامة.
– عدم إجراء مباريات دورية عبر مجلس الخدمة المدنية.
– تدني قيمة الرواتب الأجور وانهيار القدرة الشرائية للموظفين.
– غياب خطط التدريب والتطوير المهني.
– ضعف الحوكمة والرقابة الإدارية.
– اعتماد حلول مؤقتة بدل المعالجات البنيوية.
رابعاً: انعكاسات اجتثاث الإدارة العامة
– تراجع جودة الخدمات العامة.
– بطء المعاملات الإدارية.
– فقدان الثقة بين المواطن والإدارة.
– توسع الفساد والمحسوبيات.
– زيادة الاعتماد على القطاع الخاص والمنظمات الدولية في تقديم خدمات من صلب اختصاص الدولة.
– تهديد مبدأ استمرارية المرفق العام.
– إضعاف قدرة الدولة على تنفيذ السياسات العامة وتحقيق التنمية.
خامساً: سبل إعادة بناء الإدارة العامة
– وضع استراتيجية وطنية شاملة للإصلاح الإداري.
– إعادة الاعتبار لمجلس الخدمة المدنية واعتماد الكفاءة أساساً للتوظيف.
– وضع الموظف المناسب في المكان المناسب.
– تحفيز الموظف المثابر الذي حصّل شهادات عليا واعطاءه الأولوية في التعيينات والترفيعات.
– إجراء مباريات دورية لملء الشواغر في مختلف الفئات.
– تحسين الرواتب والأوضاع الاجتماعية للموظفين بما يحد من النزف البشري.
– تفعيل أنظمة الترقية والتدريب المستمر.
– تعزيز استقلالية أجهزة الرقابة والتفتيش.
– التحول الرقمي وتبسيط الإجراءات الإدارية.
– إقرار قوانين تضمن حياد الإدارة وتحصينها من التدخلات السياسية.
خاتمة
إن الأزمة التي تعاني منها الإدارة العامة في لبنان لا تقتصر على نقص الموارد أو التداعيات الاقتصادية، بل تعبّر عن مسار طويل من التهميش والإضعاف أدّى إلى اجتثاث تدريجي لمؤسسات الدولة الإدارية.
ومن ثمّ، فإن أي مشروع للنهوض بالدولة اللبنانية لا يمكن أن ينجح من دون إعادة بناء الإدارة العامة على أسس الكفاءة والجدارة والاستقلالية، باعتبارها العمود الفقري للدولة الحديثة والضامن لاستمرارية المرفق العام وخدمة المواطنين على قدم المساواة.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير