
مدير التحرير
بين المنطقة الأمنيّة والمناطق التجريّبيّة : أين لبنان؟
خاص بوابة بيروت
ومضى اليوم الثالث، ولا تزال الأمور على حالها، مع تركيز خاص على جنوب لبنان وآليات تثبيت وقف إطلاق النار.
أميركيًّا، يتواصل البحث والضغط باتجاه إقرار خطّة المناطق التجريبيّة (Pilot Zones)، حيث يُفترض أن تنسحب إسرائيل تباعًا لينتشر الجيش اللبناني، لكن بإشراف ومتابعة دوليّين.
لكنّ إسرائيل لا تزال، حتّى الساعة، رافضة لهذا المقترح، لأنّها بكلّ وضوح لا تريد أن تنسحب من الجنوب، مقابل إطلاقها خطّة بديلة تقوم على إنشاء منطقة أمنيّة تحت سيطرتها بالكامل، ولو لم تكن هي موجودة على الأرض.
الهواجس الإسرائيليّة وأولويّات واشنطن
الخوف الإسرائيلي، من المنظور الأميركي، مبرّر لأنّه لا يثق بالضمانات التي قد تعطيها طهران لواشنطن في اتّفاقيّة الاستسلام المشرّف التي خطت فيها خطوات متقدّمة. فبنهاية المطاف، الإسرائيلي لا يريد تكرار تجارب الماضي.
ويبدو، من خلال رقص التانغو مع الأميركي طوال هذه المرحلة، وبالتحديد مع الرئيس ترامب، أنّه بات يدرك أنّ الأولويّة أصبحت للمصلحة الأميركيّة في الشرق الأوسط الجديد، حتّى لو تقدّمت على مصلحة إسرائيل.
مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ هذه العلاقة بين واشنطن وتل أبيب قد تتعرّض لبعض الاهتزازات، لكنّها لا تنكسر بسبب السيطرة داخل الولايات المتّحدة، وقدرة اللوبي الإسرائيلي على التأثير في سياسات الولايات المتّحدة في الشرق.
هذا من دون الحديث عن التبادل الاستخباراتي مع جهاز الموساد، ومدى حاجة الأميركيين إلى هذا الجهاز، ولا سيّما في الشرق. وطرفا التحالف المهتزّ يعلمان هذه الميزة، وهما يتصرّفان انطلاقًا من هذه الزاوية بالتحديد.
المظلّة الإيرانيّة للمفاوضات اللبنانيّة
ويدرك الإسرائيلي أنّ مظلّة المفاوضات الأميركيّة – الإيرانيّة هي التي تحكم أيّ مفاوضات مع بيروت. بمعنى آخر، يدرك الإسرائيلي أنّ الكلمة الفصل لطهران.
ولا مهرب من أن يثق بضمانات طهران؛ ولكن هذه المرّة الفارق كبير جدًّا، إذ إنّ هذه الضمانات ليست إلّا نتيجة للضغط الأميركي. وتعلم طهران جيّدًا أنّ أيّ خلل في الساحة اللبنانيّة سيقابله المزيد والمزيد من التشدّد في الداخل الإيراني. وهذا ما سبق وأشار إليه الرئيس الأميركي بوضوح.
شراء الوقت وإبطاء المفاوضات
وسط هذا الارتباط العضوي بين الساحتين، أكّد الرئيس اللبناني أنّ مقترح المناطق التجريبيّة لم يُحسم بعد. ولعلّ هذا ما أدّى إلى إبطاء عجلة المفاوضات مع إسرائيل، حيث بدا عون بنفسه وكأنّه يشتري الوقت من واشنطن وعلى حساب إيران، علّه يحقّق شيئًا من حساب تل أبيب في لبنان.
هشاشة وقف إطلاق النار
وفي الأثناء، تبدو هشاشة اتّفاق وقف إطلاق النار كلّ يوم أكثر من اليوم الذي سبقه، نتيجة غارة إسرائيليّة بمسيّرة على سيارة في جنوب لبنان أدّت إلى سقوط قتيلين على الأقل.
ولعلّ هذا ما قد يعرّض الاتّفاق إلى اهتزاز قد يؤدّي إلى السقوط المدوّي، وعندها سنعود إلى المربّعات الأولى. وهذا ما تزامن مع فيتو أميركي على إسرائيل أدّى إلى تأجيلها عمليّة تفجير علي الطاهر تحت ذريعة جيولوجيّة وليس أمنيّة. وربّما يكون السبب الحقيقي أنّ هكذا عمليّات ستطيح بالمسار المفاوضاتي برمّته.
ورقة الضغط الأقوى
ولعلّ هذا ما يؤكّد من جديد أنّ ورقة الضغط الأقوى هي بيد الإسرائيلي، وليس بيد الأميركي أو حتّى الإيراني. يبقى أنّ لبنان حاضر في المفاوضات بين طهران وواشنطن كصاعق قابل للتفجير في أيّ لحظة، ومن أيّ جهة كانت. وهذا ما يكسب الملف اللبناني حظوة أميركيّة في هذه المرحلة.
وقد يكون هذا الحضور هو الدافع وراء إنشاء “خليّة فضّ نزاعات”، أو ما يُترجم بآليّة مراقبة دوليّة مشتركة، يُخشى أن تكون الكلمة الفصل فيها لقوّات الشرع السوريّة. وذلك وسط ارتفاع أسهم مؤسّسة الجيش اللبناني لتتولّى المهام الأمنيّة بشكل أوسع في الجنوب، شرط نجاح كلّ هذه الترتيبات.
الاهتمام الأوروبي المتزايد
فيما بدا دوليًّا الاهتمام بالملف اللبناني يتزايد بشكل مطّرد، إذ يدرس الاتّحاد الأوروبي جدّيًّا إطلاق بعثة تمتدّ ثلاث سنوات لتدريب ودعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في مجالات الحدود والأمن البحري والمرافئ والاستخبارات.
وما يطمئن في هذه التجربة الدور الذي لعبته القوّات البريطانيّة في إنشاء أفواج حرس الحدود البرّية بين لبنان وسوريا، ومدى نجاح هذه الأفواج الذي ارتبط بضبط الحدود اللبنانيّة – السوريّة على وعورتها وصعوبة الانتشار فيها.
مرحلة أمنيّة جديدة في الجنوب
هذه المبادرة الأوروبيّة، إن نجحت، يمكن قراءتها على أنّها جزء من التحضير لمرحلة أمنيّة جديدة في الجنوب وتعزيز قدرات الدولة اللبنانيّة. وقد تكون هذه القوّات البديل الوحيد لليونيفيل، مع استبعاد احتمال أيّ تدخّل سوري في هذه الحالة. ولعلّ هذا ما قد يطمئن المكوّن الشيعي في لبنان.
هل تنجح واشنطن في فرض المناطق التجريبيّة؟
يبقى أنّ رصد نتائج الجولة الحاليّة من المفاوضات اللبنانيّة – الإسرائيليّة في واشنطن سيساعد أكثر في فهم طبيعة مسار الأمور بين لبنان وإسرائيل.
وقد يكون مشروع المناطق التجريبيّة، إن نجحت واشنطن في فرضه بقوّة الأمر الواقع، يعني عمليًّا نجاحها في تقليم أظافر كلّ أطراف الصراع في المنطقة، بمن فيهم إسرائيل التي لا تزال تتحفّظ على الانسحابات الجزئيّة تمهيدًا لإعادة الانتشار، وذلك لضرب صورة مؤسّسة الجيش اللبناني.
وهكذا تكون تل أبيب قد أمّنت ديمومة الصراع مع طهران، ما سيعزّز فكرة الحرب الوجوديّة أكثر، وهو ما سيشكّل مصلحة مشتركة بين طهران من جهة وتل أبيب من جهة ثانية.
أين لبنان؟
يبقى ذلك رهن مدى نجاح واشنطن في تثبيت آليّة مراقبة دائمة لوقف إطلاق النار، مع ملاحظة الانعكاسات الناجمة عن أيّ تقدّم أو تعثّر في التفاهم الأميركي – الإيراني على الساحة اللبنانيّة.
فما بين ميدانين، عسكري وديبلوماسي، تعود وتُطرح أيضًا الإشكاليّة نفسها: أين لبنان؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير