الاتّكاليّة… تأجيلٌ #قاتل

إفتتاحيّة #بوابة_بيروت بقلم مدير التّحرير د. ميشال الشّمّاعي

انتهت مفاوضات روما. وبحسب مصادر أميركية مطّلعة، تمّ الكشف في هذه الجولة عن خرائط للبنى التحتيّة للأنفاق والمنشآت العسكريّة لمنظّمة حزب الله. كما تمّ الكشف عن مركز القيادة الكبير تحت كلٍّ من علي الطاهر وقلعة الشقيف، كما تمّت الإشارة في هذه الخرائط إلى وجود مركز قيادي كبير أيضًا تحت قلعة بعلبك. كما أنّ الخرائط تحدّثت عن شبكات أنفاق تمتدّ من البقاع إلى جرود جبيل وكسروان من جهة، ومن البقاع إلى المختارة في الشوف من جهة أخرى.

كما كشف الإسرائيليون في هذه الجولة أنّهم دمّروا 80% من هذه البنى في المنطقة الصفراء، وأنّهم تركوا الـ20% المتبقّية للدولة اللبنانيّة. واعتبر المراقبون أنّ محاولة طرح مناطق تجريبية جديدة هي بمثابة هروب إلى الأمام. وكنتيجة نهائيّة، تُرك هذا الشهر للتنفيذ على الأرض، على ألّا يكون هناك أيّ توسّع قبل إنجاز المنطقتين الأولى والثانية. فيما بقي عالقًا البحث عن الطرف المموّل لفريق التحقّق، ولا سيّما أنّ الأميركي لا يريد أن يتمّ الدفع للجهة المراقِبة من المساعدات التي ستُصرف إلى مؤسّسة الجيش اللبناني.

دولة عاجزة أم دولة مؤجِّلة؟

هذه المعطيات كلّها تشير إلى أنّ الدولة اللبنانيّة لا تزال عالقة في عدم قدرتها على تنفيذ تعهّداتها. بل برز في هذا السياق قصور أمني من قبل تركيبة الدولة اللبنانيّة التي، حتّى الساعة، لم تُظهر أيّ قدرة تنفيذيّة في هذا السياق. وهذا كلّه يوحي وكأنّ الدولة اللبنانيّة تنتظر من القوى الخارجيّة، غير اللبنانيّة، القيام بمهامها. والذريعة المشروعة، بحسب عُرف السلطة طبعًا، هي الخوف من التصادم اللبناني ـ اللبناني.

وليس هذا المشهد جديدًا في التاريخ اللبناني؛ فمنذ قيام دولة لبنان الكبير عام 1920، تكرّرت محطّات لجأت فيها السلطة إلى المظلّات الخارجيّة بدل ترسيخ احتكار الدولة لقرارها السيادي، الأمر الذي جعل كلّ استحقاق داخلي يتحوّل إلى ملفّ دولي أو إقليمي.

الاتّكاليّة وثمن الانتظار

لكن المؤسف في ذلك كلّه أنّ المجتمع الدولي ليس مستعدًّا للقيام بواجب الدولة اللبنانيّة، حتّى لو كانت المسألة بيد قوى أجنبيّة تحت مسمّى آليّة المراقبة. وهذا ما يدلّ على أنّ الضوء الأخضر سيُمنح للإسرائيلي للقيام بذلك، لأنّ اتّكاليّة الدولة اللبنانيّة ستسرّع موتها المؤجّل.

ولا يمكن لهذه السلطة أن تُبقي رأسها في الرمال، وتتغاضى عن الرسائل الدوليّة التي ما فتئت الإدارة الأميركيّة تُرسلها. وليس آخرها ما قاله الرئيس الأميركي في لقائه مع الرئيس اللبناني في البيت الأبيض.

ولعلّ أخطر ما في الاتّكاليّة السياسيّة أنّها لا تؤجّل القرار فحسب، بل تنقل حقّ اتخاذه تدريجيًا إلى الآخرين. وهذه قاعدة عرفها تاريخ العلاقات الدوليّة منذ القرن التاسع عشر، حين كانت الدول العاجزة عن ممارسة سيادتها تجد نفسها أمام تدخّل خارجي يتوسّع تدريجيًا تحت ذرائع مختلفة.

نافذة تفاوض… ولكن

كما يبدو أيضًا، نتيجةً لما يتمّ كشفه تباعًا في التقارير الاستخباريّة، أنّ ما ينتظر الدولة اللبنانيّة لن يكون سهلًا. لكن يبقى أنّ الإيجابي الوحيد الذي حصل حتّى الساعة هو فتح باب التفاوض المباشر الذي أُقفل بعد 17 أيّار 1983.

ويُعدّ ذلك تحوّلًا سياسيًا لافتًا، لأنّ اتفاق 17 أيّار، على الرغم من سقوطه لاحقًا، بقي آخر إطار شهد تواصلًا سياسيًا مباشرًا بين لبنان وإسرائيل، قبل أن يُستعاض عنه لاحقًا بمسارات غير مباشرة أو بوساطات دوليّة.

لكنّ ذلك ليس كافيًا. فعلى الدولة اللبنانيّة أن تقرن حسن الأقوال بحسن الأعمال. فالقطار الذي انطلق قسرًا بعد السابع من أكتوبر لن يتوقّف وينتظر المزاج اللبناني ليُكمل مسيره وصولًا إلى مصيره. وهذه الفرصة، إن أضاعتها الدولة اللبنانيّة باتّكاليّتها مرّة جديدة، سنكون أمام حالة عزل وقضم من الجوار.

شرق أوسط جديد… ولبنان أمام امتحان القرار

ولا سيّما مع ولادة التحالف الدفاعي الجديد السعودي ـ الباكستاني ـ التركي، الذي لن يكون بعيدًا من البحث عن دور ريادي في الشرق الأوسط الجديد. والخطورة في ذلك أن يتحوّل هذا النفوذ إلى لبنان من الخاصرة الشماليّة، بعد الاتّكاليّة التي ستترسّخ في العقليّة الحاكمة.

فالتاريخ يُظهر أنّ التحوّلات الكبرى في المشرق كانت دائمًا تعيد رسم خرائط النفوذ، وأنّ الدول التي تتأخّر في ترتيب بيتها الداخلي تصبح، في كثير من الأحيان، ساحةً لتقاطعات المشاريع الإقليميّة بدل أن تكون شريكًا في صناعتها.

والحتمي في كلّ ما يحصل أنّ ترتيب النّفوذ في المنطقة يسير قدمًا، ولا يمكن إيقاف هذا المسار، إلّا بعمل انتحاريّ كبير يستنسخ تجربة السابع من أكتوبر. فهل تحتمل المنطقة ردّة فعل ثانية أكثر ضراوة للقبول بما قبلت به حماس بعد الدّمار والضحايا والتشرّد الذي أصاب غزّة؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك