#الذهب تحت النار: حين يتحوّل السعي إلى الرزق في #شمال_السودان إلى رحلة #موت

بقلم المحامية رولا إيليا

في أقصى شمال السودان، حيث تتداخل الصحراء مع أحلام الباحثين عن لقمة العيش، لم يعد الذهب عنوانًا للأمل بقدر ما أصبح مرادفًا للخطر والموت.

فالقصف الذي استهدف مواقع التعدين في منطقة جبل العقيدات لم يخلّف قتلى وجرحى فحسب، بل أعاد فتح أسئلة شائكة حول أمن المناطق الحدودية، وحماية المدنيين العاملين في قطاع التعدين التقليدي، وحدود المسؤولية القانونية والإنسانية في مناطق النزاع والتوتر.

وبينما تتساقط الضحايا في قلب الصحراء، تتعالى الأصوات المطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، في مشهد يختلط فيه بريق الذهب بدماء المعدّنين الذين خرجوا بحثًا عن الرزق فعادوا ضحايا حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

ما جرى في جبل العقيدات يتجاوز كونه حادثًا أمنيًا عابرًا؛ فهو يكشف هشاشة الواقع الذي يعيشه آلاف العاملين في مناجم الذهب المنتشرة في شمال السودان. فهذه المناطق، التي تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى مراكز جذب اقتصادي لعشرات الآلاف من الباحثين عن فرص العمل، تجد نفسها اليوم في قلب معادلة معقّدة تجمع بين التنافس على الثروات الطبيعية، وتشابكات الحدود، وغياب الضمانات الكافية لحماية المدنيين.

ومن هنا، لا يقتصر النقاش على تحديد الجهة المسؤولة عن القصف، بل يمتد إلى مساءلة الواقع الذي يجعل من مواقع العمل المدنية ساحات مفتوحة للمخاطر، ويضع حياة المعدّنين بين مطرقة البحث عن لقمة العيش وسندان الصراعات الأمنية والعسكرية.

القصف الذي حوّل مناجم الذهب إلى ساحة رعب

في صحراء شمال السودان، حيث يلاحق آلاف المعدّنين أثر الذهب بين الجبال والوديان، تحولت مواقع الرزق إلى ساحة رعب بعد قصف استهدف مناطق التعدين الأهلي في جبل العقيدات وشمال الوادي والأنصاري، مخلفًا قتلى وجرحى من المدنيين العاملين في التعدين، ومثيرًا أسئلة قاسية حول حماية المواطنين في مناطق الموارد والحدود.

لم يكن الضحايا مقاتلين في جبهة عسكرية، بل عمّالاً مدنيين دفعهم الفقر والحرب وانهيار مصادر الدخل إلى البحث عن الذهب في مناطق نائية وقاسية. ومع وقوع القصف، وجد هؤلاء أنفسهم بلا طرق آمنة، وبلا إسعاف قريب، وبلا حماية رسمية قادرة على التدخل السريع لإنقاذ المصابين أو الوصول إلى العالقين.

وبحسب شهادات ناجين ومصادر محلية، تعرضت مواقع تعدين أهالي شمالي السودان لغارات جوية خلال منتصف يونيو الجاري، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وفرار عدد من المعدّنين إلى مناطق جبلية وصحراوية خشية تجدد الاستهداف. ولا تزال الحصيلة النهائية غير مؤكدة بسبب صعوبة الوصول إلى المنطقة وتضارب الروايات حول أعداد الضحايا والمفقودين.

هشاشة الحماية في مناطق التعدين الأهلي

وتكشف الحادثة حجم الانكشاف الذي يعيشه المدنيون في مناطق الذهب. فالمعدّنون الأهليون يعملون غالبًا خارج أي منظومة حماية، دون تأمين صحي، أو آليات إنذار، أو نقاط إسعاف، أو خطط إجلاء، رغم أن مواقع التعدين تضم أعدادًا كبيرة من المدنيين القادمين من ولايات سودانية مختلفة بحثًا عن مصدر رزق.

مطالبات حقوقية بتحقيق مستقل وشفاف

وعلى خلفية الحادثة، طالبت منظمات وجهات حقوقية سودانية، بينها التحالف السوداني للحقوق ومنظمة مناصرة ضحايا دارفور، بفتح تحقيق مستقل وشفاف يكشف ملابسات القصف، ويحدد الجهة المنفذة، ويوثق أعداد الضحايا، ويضمن إنصاف الأسر ومحاسبة كل من يثبت تورطه في استهداف المدنيين.

وقالت جهات حقوقية إن استهداف مواقع عمل مدنية يثير مخاوف جدية من وقوع انتهاكات للحق في الحياة وقواعد حماية المدنيين، خاصة إذا ثبت أن المناطق المستهدفة كانت مواقع تعدين أهلي لا تشكل هدفًا عسكريًّا مشروعًا. كما شددت على ضرورة احترام مبادئ التمييز والتناسب والاحتياط في أي استخدام للقوة داخل مناطق يوجد فيها مدنيون.

الاتهامات المتداولة وضرورة كشف الحقيقة

وفي الوقت الذي تركز فيه المنظمات الحقوقية على حماية الضحايا وكشف الحقيقة، وجّهت شهادات وبيانات متداولة اتهامات للقوات المصرية بالوقوف وراء القصف، ما يجعل تقديم توضيح رسمي من القاهرة والتعاون مع أي تحقيق مستقل مطلبًا ضروريًّا لمنع تصاعد التوتر وضمان عدم إفلات أي جهة من المساءلة. وتبقى هذه الاتهامات بحاجة إلى تحقيق محايد قبل اعتمادها كحقيقة نهائية.

مسؤولية السلطات وحماية المواطنين

كما تواجه السلطات القائمة في بورتسودان انتقادات بسبب غياب رواية رسمية واضحة حول الحادثة، وعدم تقديم معلومات كافية بشأن الإجراءات المتخذة لإجلاء المصابين أو حماية العاملين في مناطق التعدين الأهلي. ويرى حقوقيون أن مسؤولية الدولة لا تقتصر على إصدار البيانات، بل تشمل حماية المواطنين، وتوثيق الضحايا، ومتابعة المفقودين، وضمان حق الأسر في معرفة الحقيقة.

الذهب والحرب: ثروة في قلب الصراع

وتعيد الحادثة إلى الواجهة ملف التعدين الأهلي في السودان، حيث يعمل آلاف المواطنين في مناطق نائية تفتقر إلى الحماية والخدمات، بينما يتحول الذهب في ظلّ الحرب إلى مورد شديد الحساسية تتداخل حوله المصالح الاقتصادية والأمنية والحدودية.

ويحذر حقوقيون من أن ترك الحادثة دون تحقيق ومساءلة قد يفتح الباب أمام تكرار استهداف المدنيين في مناطق التعدين والموارد، ويكرس نمطًا خطيرًا من الإفلات من العقاب. فالحرب في السودان لم تعد تهدد فقط المدن والجبهات العسكرية، بل باتت تمتد إلى المناجم والأسواق ومناطق العمل التي يحاول فيها المدنيون النجاة من الفقر.

دعوات عاجلة لحماية المعدّنين وإنصاف الضحايا

وطالبت منظمات ونشطاء بتوفير الرعاية الطبية العاجلة للمصابين، وفتح ممرات آمنة للعالقين، وتعويض أسر الضحايا، وإدراج مناطق التعدين الأهلي ضمن خطط حماية المدنيين في السودان. كما دعوا إلى وضع ترتيبات عملية لحماية المعدّنين، تشمل نقاط إسعاف، وآليات إنذار، وخطط إجلاء في المناطق النائية.

صحراء الذهب التي تبتلع أبناءها

وتبقى حادثة جبل العقيدات أكثر من واقعة قصف؛ إنها إنذار جديد بأن المدنيين في السودان باتوا يدفعون ثمن الحرب حتى في مواقع العمل والرزق. فالذين سقطوا في صحراء الذهب لم يكونوا سوى عمّال خرجوا بحثًا عن الحياة، فوجدوا أنفسهم في مواجهة موت بلا حماية، وحقيقة لا تزال تنتظر من يكشفها.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك