القضاء على الجهادية الدولية

"ج١"

خاص بوابة بيروت

يعني مبدأ الجهاد بما يعنيه في المعنى العسكري القتالي وحتّى السياسي مقاتلة كلّ من يعتبرهم أصحاب هذا الفكر ضدّ الدين الذي ينتمون إليه. ولهذه الغاية أنشئت حركات ومنظّمات عسكريّة عبرت الحدود في الدّول لتنشئ فيما بينها تحالفًا جهاديًّا يقضي قتل وتدمير كلّ الذين ينتمون إلى نقيض فكرهم. وتسلّحت هذه المنظّمات بالدّين الإسلامي في عصرنا هذا متّخذة من معركتها مع الآخر المختلف عنها مبادئ التّكفير والتخوين والعمالة أسبابًا مخفّفة لممارستها القتل المشروع.

وخطورة هكذا مشاريع أنّها ترتبط بأيديولوجيّات وليس بمجرّد فكر ينمو ويخبو حسب دعمه. فالتنظيمات تولد وتموت، أما الأيديولوجيات فتعيش ما دامت تجد بيئة تنتجها، وخطابًا يبررها، ودولًا عاجزة عن مواجهتها بالفكر والقانون والتنمية. وهكذا نمت هذه التنظيمات في الدّول الفاشلة والمارقة، حيث لا تستطيع أن تنمو في دول مكتملة السيادة وقرارها بيد مؤسساتها.

فالمعركة اليوم ليست معركة ضد دين، بل هي دفاعًا عن الإنسان والدولة والدين بحدّ ذاته. هذا الإنسان الذي خلقه الرّبّ على قاعدة التنوّع والإختلاف. فلا يمكن أن يعيش في قوقعة لأنّه يفني ذاته بذاته. أمّا الدّولة التي تقوم على العنصريّة فحتمًا يكون مصيرها الزّوال. إن لم يكن اليوم فغدًا على الأكيد. لأنّ العنصريّة تكون في دولة تعدّديّة لكن يتمّ الهيمنة على مكوّناتها من قبل مكوّن تحت حجج واهية قد يكون السلاح غير الشرعي والغلبة السياسيّة بحجّة الديمقراطيّة العدديّة أهمّها.

الدين ليس أيديولوجيا جهادية

وبالنّسبة إلى الدّين فالأديان كلّها، ولا سيّما السماويّة منها، لا تدعو إلّا إلى التسامح والغفران، فلا يمكن لأيّ دين أن يستمرّ وهو يبشّر بالقتل والتطرّف ويتّخذ من الإرهاب سبيلًا للانتشار ولمحاربة المختلف عن فكره وعقيدته. ففي كلّ مرّة يعتقد العالم أنّه طوى صفحة الإرهاب في إحدى زواياه، يعود ليجد نفسه بصراع مع تنظيم جديد تحت مسمّى جديد. تتغيّر الرايات والأسماء والأماكن لكنّ الجوهر يبقى واحدًا.

الدّعوة اليوم هي إلى تفكيك هذه الأيديولوجيّات الجهاديّة. وهنا تكمن الصعوبة. لأنّها تتّخذ من الدين ذريعة وغطاء لمشروعها السياسي. هذا المشروع الذي ينطلق من فكرة إلغاء الدّول ، ونبذ التعدّديّة، وتكفير الآخر المختلف، وإحلال منطق السيف والشريعة بدل الكلمة والقانون. فالإسلام، بوصفه دينًا عالميًا يعتنقه أكثر من مليار ونصف مليار إنسان، لا يمكن اختزاله في جماعات متطرفة كما لا يمكن اختزال المسيحية بمحاكم التفتيش، أو اختزال أي حضارة بأكثر صفحاتها ظلامًا.

عندما تتحول العقيدة إلى مشروع هيمنة

تعلّمنا من تجارب التّاريخ أنّ تحويل العقيدة إلى مشروع سياسيّ يؤلّه الزّعيم ويمنح نفسه حقّ وقدرة الإلغاء هو أخطر ما قد يصيب المجتمعات البشريّة. ولا يمكن للعالم أن ينسى كم كبّدت كلّ من النّازيّة والفاشيّة أوروبّا والعالم. وبنهاية المطاف انتصرت الحرّيّة وعادت المواطنة لتحكم علاقات البشر بعضهم بين بعض في دول وجمهوريّات سيّدة.

أمّا اليوم فتمثّل الجهاديّة الدّوليّة نموذجًا آخر من الأيديولوجيّات الشموليّة التي قامت على تطوير تلك الأيديولوجيات البائدة تحت مسميّات دينيّة أعطتها أبعادًا إلهيّة بهدف إضعاف قدرة النّاس البسطاء على مواجهتها وبهدف إغرائهم بالدّين وممكتسباته الماورائيّة.

من هذه النّقطة بالتحديد، لا تعتبر هزيمة هذه الأيديولوجيّات مجرّد انتصار عسكري ميدانيّ بعد مواجهتها بقوّة السلاح؛ وهذا ما حصل في بلدان مثل أفغانستان والعراق وسوريا وقد يحصل في الدّاخل الإيراني إذا استمرّت الأمور على هذا المنوال، ويبدو أنّها مستمرّة. هذا الانتصار عندما يحصل هو انتصار لفكر الدّولة والمؤسّسات وشرعيّة القانون الوضعي والدساتير ومفاعيلها في الدّول على حساب نقيضها الآخر التطرّفي.

لبنان… الدولة التي كانت نقيض المشروع الشمولي

إنّ ولادة لبنان الكبير، تلك الفكرة التي لم تقم على أيديولوجيل بل قامت على الاعتراف بهذا التنوّع الحضاري في إطار جغرافيّ رسمه البطريرك حويّك وقتذاك. قد تكون تلك إيحاءات إلهيّة أكثر ممّا أنّها كانت نابعة من خوف اقتصاديّ. فكانت قوّة لبنان في قدرته على الانفتاح لأنّ الحرّيّة الكيانيّة كانت نطفته الأولى.

هذه الفكرة نفسها دافع عنها الفيلسوف والدبلوماسي شارل مالك عندما شارك في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.وواجه مالك الأيديولوجيات الشموليّة المدنيّة وقتذاك، تحت مسميات الشيوعيّة والماركسيّة، التي غلّبت الحريّة المجتمعيّة على الحرّيّة الشخصيّة الكيانيّة. فقد أدرك أن كرامة الإنسان وحرية الضمير ليستا امتيازًا تمنحه السلطة، بل حقًا يسبقها، وأن أي أيديولوجيا تنكر هذا الحق، مهما كان شعارها، تتحول إلى خطر على الحضارة. وسرعان ما ستزول. وهكذا حصل.

وليس مستغربًا أن يصبح هذا ” اللبنان” الهدف الذي يسعى كلّ مشروع شمولي للقضاء عليه. من هنا صار الصراع الاسرائيلي – الفارسي على أرضه. وقبله البعثي – القومي. هذه الأفكار الإلغائيّة بطابعها رفضت شرعيّة الدّولة الوطنيّة بذريعة تذويبها بالدّولة الطبيعيّة تارة أو بالأمّة الخالدة تارة أخرى. لكن سرعان ما سقطت هذه الأفكار وبقي لبنان. والتّجارب علّمتنا أنّ كلّ فكرة عنصريّة تقوم عليها أيّ دولة ستشكّل بذرة زوالها.

يتبع…

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك