
خبير متميّز في الإدارة السياسية والاستشارات
#لبنان جديد يتطلب شجاعة #سياسية
–
بقلم د. محمد غزيّل – خاص بوابة بيروت
@mogozeil
يعيش لبنان منذ عقود داخل حلقة مفرغة من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكأنّ الدولة لم تتمكّن يوماً من الخروج الحقيقي من ظلال تاريخها الثقيل. فالحروب المتكررة، والانقسامات الطائفية، والاغتيالات السياسية، والانهيارات الاقتصادية، لم تكن مجرد أحداث عابرة في تاريخ البلاد، بل تحوّلت إلى بنية نفسية وسياسية تتحكم بسلوك الدولة والمجتمع معاً.
المشكلة الأساسية في لبنان ليست فقط في وجود أزمات متراكمة، بل في عجز النظام السياسي والمجتمع عن بناء قطيعة استراتيجية مع الماضي. فالبلاد ما زالت تُدار بعقلية الخوف التاريخي، والتوازنات الهشّة، والتسويات المؤقتة، بدل أن تُدار وفق رؤية وطنية حديثة قادرة على بناء دولة مستقرة ومنتجة. إنّ أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس الانهيار المالي وحده، بل استمرار العقل السياسي ذاته الذي أنتج الانهيار.
الأعباء التاريخية وتأثيرها على مسار التقدّم
تاريخ لبنان الحديث مليء بالصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية والحروب الأهلية والتجاذبات الإقليمية. وقد تركت هذه الأحداث آثاراً عميقة على بنية الدولة والوعي الجماعي للمجتمع اللبناني. والحرب الأهلية اللبنانية لم تنتهِ فعلياً عام 1990، بل توقفت عسكرياً فقط. أما سياسياً ونفسياً، فما زالت آثارها تتحكم بالخطاب السياسي، وبالعلاقات بين الطوائف، وحتى بطريقة إدارة الدولة لما يُسمى بإتفاق الطائف.
لا تزال القوى السياسية تستخدم الذاكرة الجماعية للحرب كأداة تعبئة وتخويف، حيث يتم استحضار الماضي عند كل استحقاق سياسي أو أمني. وهكذا أصبح الماضي ليس مجرد ذاكرة وطنية، بل وسيلة دائمة لإعادة إنتاج الانقسام. ومن أخطر نتائج هذا الواقع أن لبنان لم يتمكن من بناء هوية وطنية جامعة تتجاوز الهويات الطائفية والمناطقية. فالدولة بقيت ضعيفة أمام نفوذ الجماعات، والمواطن بقي مرتبطاً بالطائفة أكثر من ارتباطه بالمؤسسات الوطنية.
ومن وجهة نظري، إن لبنان لم يفشل بسبب تنوعّه، بل بسبب عجزه عن تحويل هذا التنوّع إلى مشروع دولة حقيقي. فالتعددية بحد ذاتها ليست أزمة؛ الأزمة هي غياب العقد الوطني القادر على إدارة هذا التنوّع ضمن إطار الدولة.
الحاجة إلى المصالحة الوطنية والشفاء الجماعي
لا يمكن للدولة اللبنانة أن تبني مستقبلاً مستقراً إذا بقيت سجينة جراح الماضي. لذلك، فإن لبنان يحتاج إلى مشروع مصالحة وطنية حقيقية، لا إلى مجرد تسويات سياسية ظرفية بين الزعماء. فالمصالحة المطلوبة ليست فقط بين الطوائف، بل بين المواطن والدولة، وبين الأجيال الجديدة والتاريخ الذي ورثته دون أن تختاره.
لقد فشل لبنان في إنشاء مسار وطني للعدالة الانتقالية بعد الحرب الأهلية. لم تُفتح الملفات بجدية، ولم تتم محاسبة المسؤولين، ولم يحصل اللبنانيون على رواية وطنية موحّدة لما حدث. وبدل أن تتم معالجة الجراح، جرى دفنها سياسياً، لتعود وتنفجر عند كل أزمة. إنّ المصالحة الحقيقية تتطلب الاعتراف بالأخطاء التاريخية، وتعزيز ثقافة المواطنة، وتطوير مناهج تعليمية وطنية موحدة ودعم الحوار بين المكونات اللبنانية. ومن دون هذا المسار، سيبقى لبنان يعيش داخل حالة هدنة سياسية دائمة، لا داخل دولة مستقرة فعلاً.
التحديات الاقتصادية المتجذّرة في الماضي
الأزمة الاقتصادية اللبنانية ليست نتيجة إنهيارات عام 2018، بل هي نتيجة تراكم طويل من السياسات الخاطئة والاقتصاد الريعي والفساد البنيوي. لقد اعتمد لبنان لعقود على نموذج اقتصادي هش قائم على الاستدانة، الخدمات غير المنتجة، والاقتصاد المصرفي غير المتوازن، والمحاصصة السياسية في إدارة الدولة.
هذا النموذج خلق اقتصاداً يفتقر إلى الإنتاج الحقيقي، ويعتمد بشكل مفرط على التحويلات الخارجية والدعم السياسي الإقليمي. كما أن الفساد لم يكن مجرد انحراف فردي، بل أصبح جزءاً من بنية النظام السياسي نفسه، حيث تم استخدام مؤسسات الدولة لخدمة شبكات الزبائنية السياسية والطائفية.
ومن وجهة نظري، فإن لبنان لم يخسر فقط أمواله، بل خسر ثقته بفكرة الدولة الاقتصادية نفسها. فالشباب اللبناني لم يعد يرى في الدولة مساحة للفرص، بل مساحة للهجرة أو الإحباط. إن أي خطة نهوض اقتصادي حقيقية يجب أن تبدأ بإعادة بناء مفهوم الدولة المنتجة، وليس فقط بإعادة هيكلة القطاع المالي.
عدم الاستقرار السياسي وإرث الطائفية
الطائفية السياسية كانت تاريخياً وسيلة لإدارة التوازنات اللبنانية، لكنها تحوّلت تدريجياً إلى أحد أكبر معوقات بناء الدولة الحديثة. النظام الطائفي أنتج ضعفاً في المؤسسات، وشللاً في اتخاذ القرار وتضارباً في الولاءات، وانتقال السلطة من الدولة إلى الزعامات السياسية والطائفية.
وفي كثير من الأحيان، أصبحت الكفاءة أقل أهمية من الانتماء السياسي أو الطائفي، ما أدى إلى تراجع فعالية الإدارة العامة وانتشار المحسوبيات. كما أن النظام السياسي اللبناني غالباً ما يُدار بمنطق التسويات المؤقتة، لا بمنطق التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد.
فالمشكلة ليست فقط في الطائفية كنظام سياسي، بل في الثقافة السياسية التي جعلت المواطن يخاف من الدولة أكثر مما يثق بها. وهنا تكمن خطورة الأزمة: عندما تصبح الطائفة بديلاً عن الدولة، تفقد الدولة قدرتها على توحيد المجتمع.
الإرث الثقافي والاجتماعي الذي يحدّ من الابتكار
إلى جانب الأزمات السياسية والاقتصادية، يواجه لبنان تحديات ثقافية واجتماعية تعيق التقدّم والتجديد. فالمجتمع اللبناني، رغم انفتاحه الثقافي وتعليمه العالي، ما زال في كثير من الأحيان أسير أنماط تقليدية في التفكير السياسي والاجتماعي.
ومن أبرز هذه التحديات: تقديس الزعامات السياسية، والخوف من التغيير، وضعف ثقافة المؤسسات، والانقسام الهوياتي، وهجرة الكفاءات الشابة.
لقد خسر لبنان خلال العقود الثلاثة الماضية، وما زالت، جزءاً كبيراً من طاقاته البشرية بسبب غياب الفرص والاستقرار. وهذه ليست خسارة اقتصادية فقط، بل خسارة استراتيجية تمس المستقبل الاجتماعي نفسه. فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة هو أن يفقد جيلها الشاب ثقته بإمكانية الإصلاح.
التعلّم من الماضي لبناء لبنان جديد
لا يمكن بناء مستقبل مختلف بعقلية سياسية تعيد إنتاج أخطاء الماضي نفسها. فلبنان بحاجة إلى مراجعة وطنية شاملة تعترف بالفشل، لكن دون الوقوع في جلد الذات أو اليأس الجماعي. والتاريخ يجب أن يكون مصدراً للتعلّم لا سجناً دائماً للهوية الوطنية. وهذا يتطلب: إعادة تعريف مفهوم المواطنة، وبناء مؤسسات قوية ومستقلة، وتعزيز الشفافية، والمحاسبة، وتطوير اقتصاد إنتاجي، والاستثمار في التعليم والابتكار، وإطلاق مشروع وطني جامع يتجاوز الاصطفافات التقليدية.
إن بناء لبنان جديد لا يعني إلغاء تاريخه، بل تحرير مستقبله من هيمنة هذا التاريخ.
دعوة إلى رؤية مستقبلية جديدة
لبنان اليوم يقف أمام لحظة تاريخية مفصلية. فإما أن يستمر في إدارة أزماته بالعقلية القديمة نفسها، وإما أن يبدأ فعلياً ببناء مشروع وطني جديد قائم على الدولة والمؤسسات والكفاءة والمواطنة. المطلوب ليس مجرد إصلاح سياسي تقني، بل تحوّل فكري وثقافي في طريقة فهم الدولة والسلطة والمجتمع. إن الدول لا تنهض فقط عبر الاقتصاد أو السياسة، بل عبر وجود رؤية جماعية للمستقبل.
إن لبنان ما زال يمتلك فرصة للإنقاذ، ليس بسبب قوته الحالية، بل بسبب قدرته التاريخية على النهوض بعد الأزمات. لكن هذه الفرصة لن تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية. فالوقت لم يعد يسمح بإدارة البلاد بعقلية التسويات المؤقتة وردود الفعل.
لبنان يحتاج إلى قيادة تفكر بمنطق الدولة، لا بمنطق الطائفة، وبمنطق المستقبل، لا بمنطق الخوف من الماضي.
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه لبنان اليوم ليس فقط الخروج من الأزمة، بل التحرّر من البنية الفكرية والسياسية التي أنتجت هذه الأزمة عبر عقود طويلة. فلا يمكن لدولة أن تتقدّم وهي ما تزال تخوض معارك الماضي داخل حاضرها ومستقبلها. وإن بناء لبنان جديد يتطلب شجاعة سياسية، ومصالحة وطنية، وإصلاحاً مؤسساتياً عميقاً، ورؤية استراتيجية تؤمن بأن الدولة يجب أن تكون فوق الانقسامات، وأن المواطنة يجب أن تكون أقوى من الولاءات الضيقة.
عندما يتوقف اللبنانيون عن إدارة الخوف، ويبدأون بإدارة المستقبل، عندها فقط يمكن للبنان أن يتحوّل من دولة تعيش على ذاكرة الأزمات إلى دولة تصنع مستقبلاً مختلفاً لأجيالها القادمة.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير