#لبنان في لحظة الانكشاف النهائي : الدولة في مواجهة الدولة العميقة

بقلم إليسا الهاشم – خاص بوابة بيروت

ما يجري في لبنان اليوم، ليس أزمة سياسية عادية، ولا خلافاً حول اتفاق الاطار بين لبنان وإسرائيل، او حتى مذكرة التفاهم الأميركية الايرانية ، ولا حتى تبايناً في إدارة الحكم أو التوازنات الداخلية والخارجية. نحن أمام لحظة فرز كبرى ومكشوفة بالكامل: صراع مباشر بين الدولة والدويلة، وهي بالمناسبة نفسها الدولة “العميقة”.

نشهد صراعاً على من يحكم لبنان فعلياً ؟ الدولة كمؤسسات وشرعية دستورية، أم الدولة العميقة كمنظومة نفوذ متراكمة تعمل داخل الدولة وفوقها وتعيد إنتاج نفسها عبرها.

إنها معركة تعريف السلطة نفسها.

على مدى عقود، تشكّل في لبنان نظام مزدوج: دولة رسمية تُدار عبر المؤسسات، ودولة فعلية تعمل عبر شبكات سياسية ومالية وأمنية متداخلة، استطاعت أن تتموضع داخل الدولة بدل أن تخضع لها. ومع مرور الزمن، لم تعد هذه البنية استثناءً، بل أصبحت جزءاً من آلية الحكم نفسها، بحيث صار القرار الفعلي يُنتج خارج الإطار الدستوري الكامل ثم يُمرَّر داخله.

اليوم، يبدو أن هذا النموذج وصل إلى لحظة احتكاك حاد. فكل محاولة لإعادة تثبيت منطق الدولة، أي حصر القرار بالمؤسسات الشرعية، تُواجَه بردود فعل سياسية واسعة، تعكس حجم الخشية من انتقال فعلي يغيّر قواعد النظام الذي استقر لعقود.

ما يجري اليوم هو أن كل أركان “الدولة العميقة” في لبنان تتحرك في مواجهة قيام الدولة. وهذا دليل على استشعارهم ولاول مرّة منذ عقود، بانه اللحظة الحقيقية لبداية ذوبان وتحلّل الدويلة. وهو ما يُفسّر استنفارهم والتفافهم حول رأس الدويلة السياسي الفعلي: نبيه برّي.

كلّهم نطقوا بما يؤمنون: دعم الخارج، وتحديداً النظام الإسلامي الإيراني، وليّ امرهم الوحيد المتبقي بعد سقوط نظام الاسد في سوريا، فداء استمراريتهم وبقائهم وحتى نجاتهم، لانه بسقوط سطوة حزب الله وانهزام سلاحه غير الشرعي، يسقطون كلهم وهذا بالمعنى الحقيقي لا المجازي. سبب خوفهم الكبير في هذه اللحظة: اقتراب المحاسبة.

في هذا السياق، يبرز ما يجري في العراق، يُقرأ في الإقليم كتحول مهم. هناك، تتحرك الدولة باتجاه إعادة تثبيت سلطتها عبر فتح ملفات الفساد، وإعلان سبتمبر المقبل مهلة نهائية لنزع السلاح الميليشيوي وتحديداً الايراني، ومحاولة إعادة مركزية القرار داخل المؤسسات الشرعية والدستورية في الدولة.

بغض النظر عن التفاصيل السياسية الداخلية الخاصة بالعراق، إلا أن الاتجاه العام بات واضحاً: إعادة الاعتبار للدولة كمرجعية وحيدة. نهاية عصر التنظيمات المسلحة في كل الشرق الاوسط، هذا الخط البياني لشكل الشرق الأوسط الجديد.

هذا التحول لا يبقى محصوراً في العراق. بل ينعكس على الإقليم كله، ولبنان في قلب هذا الانعكاس، لأنه النموذج الأكثر هشاشة والأكثر تعقيداً في التداخل بين الدولة وما فوق الدولة. ارعبهم مشهد التوقيفات والمداهمات بمؤازرة ودعم مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI).

لذلك، فإن الاصطفافات التي نشهدها اليوم ليست خلافات سياسية اعتدناها. إنها تعبير عن صراع أعمق: صراع بين من يدفع باتجاه دولة واحدة بقرار واحد، ومن يتمسك ببنية التوازنات التي حكمت لبنان لعقود كبديل عملي عن الدولة الكاملة.

في هذا المشهد، يبرز مثال وليد جنبلاط كأحد أبرز الوجوه التي عايشت كل مراحل النظام اللبناني الحديث. من مرحلة الفصائل الفلسطينية والحرب الأهلية، إلى زمن الاحتلال السوري، وصولاً إلى مرحلة ما بعد 2005 وصعود حزب الله وتنامي النفوذ الإيراني في المعادلة اللبنانية. وفي قراءتي، هذا المسار يعكس طبيعة النظام نفسه: سياسة تُدار بالتكيف مع موازين القوى، على حساب قيام دولة مكتملة السيادة.

لكن جوهر اللحظة اليوم لا يتعلق بالأسماء، بل بالمزاج العام وباتجاهات المجتمع.

هنا تحديداً تظهر معطيات لافتة في النقاش العام، حيث يُستشهد باستطلاع اجرته “الدولية للمعلومات” يُظهر أن 84% من الدروز يؤيدون مسار الدولة والسلام وحصرية السلاح بيد الدولة. هذه الأرقام، دلالة سياسية على تحوّل أعمق داخل جزء كبير من الرأي العام نحو فكرة الدولة كمرجعية وحيدة، مقابل تراجع منطق الدويلة. فالفجوة تتسع بين المزاج الاجتماعي والقاعدة وبين بنية النظام السياسي التقليدي التي حكمت لبنان لعقود. وهو امر غير مستغرب بعد ما اختبره الدروز عام ٢٠٠٨ يوم حاول حزب الله التمدد إلى عقر دارهم، الجبل، وما يختبره اليوم ابناء الطائفة الصامدون في قراهم الجنوبية.

ما يجري ليس أزمة حكم، بل أزمة دولة. أو بشكل أدق: أزمة تعريف من يملك الدولة.

الحرب السياسية في لبنان اليوم بين مشروع دولة يحاول أن يكتمل بقيادة رئيس الجمهورية والحكومة وبدعم اميركي خليجي ودولي غير مسبوق، وبين منظومة قديمة تعتبر أن قيام الدولة الفعلية يعني نهايتها، ولذلك تتحرك للدفاع عن بقائها بكل الوسائل.

وفي هذا السياق، كل النقاشات الجانبية حول الإتفاق الإطار او غيره، تفقد معناها الحقيقي. لأنها لا تمس جوهر الصراع. الجوهر هو التالي: هل يبقى لبنان نظاماً متعدد مراكز القرار، أم يتحول إلى دولة واحدة بسلطة واحدة؟

كلما اقترب هذا الاحتمال، كلما ارتفعت حدة الاصطفاف السياسي، لأن الأمر يتعلق ببنية النفوذ نفسها.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك