#الريحاني شعرُهُ منثورٌ وتأسيسيٌّ وأنا أشهد له

بقلم عقل العويط

درجنا على اعتبار جبران وفؤاد سليمان “وغيرهما”، رائدَين ممهِّدَين، بشعرهما المنثور ونثرهما الشعريّ، للحداثة الأدبيّة، وتاليًا، لقصيدة النثر العربيّة، فتناسى بعضنا، أو أغفل تحت وطأة “الإرهاب العاطفيّ اللذيذ”، مكانة أمين الريحاني في هذا التأسيس، علمًا أنّ صاحب “قلب لبنان” كان أطلق عبارة “شعر منثور” على نصوصه، “هتاف الأوديّة”، التي كتبها بين 1903 و1940، ونُشِرت بعد الوفاة عام 1950. فلا بدّ من وضع هذا “الهتاف” في موضعه التأسيسيّ، التأريخيّ والدلاليّ والنقديّ الحديث.

وإذا كنتُ أرانا أحفاد الشعر المنثور والنثر الشعريّ اللذَين يُعتَبران جدَّين، “بيولوجيَّين” ومعنويَّين، غير مباشرَين، لقصيدة النثر العربيّة، فأنا نفسي، والحال هذه، أحد أحفاد شعر الريحاني المنثور، وهذا رأيٌ كان ينبغي لي أنْ أعلنه من زمان، توثيقًا لريادته ودوره في هذا الباب. خير مناسبةٍ لهذا الإعلان المتأخّر، المئة والخمسون عامًا، الآن، على ولادة هذا الأديب الكبير.

تحتلّ نصوص “هتاف الأودية” موقعًا تأسيسيًّا في تاريخ النثر الشعريّ العربيّ الحديث؛ من كونها كتابةً نثريّةً مشبعةً بالشعر، مُنتِجةً للدهشة والانفعال والجمال، وذلك بتحويلها الرؤية إلى إيقاع، والفكرة إلى صورة، والتأمّل إلى إنشاد.

تقوم شعريّة النثر في “هتاف الأودية” على الرؤية “الرؤيا” أوّلًا. فالريحاني لا يصف الطبيعة وصفًا خارجيًّا، بل يجعلها كائنًا حيًّا نابضًا بالروح، حيث الوادي والبحر والجبل والريح ليست عناصر جامدة، وإنّما كائناتٌ وشخصيّاتٌ وأصواتٌ وحضوراتٌ روحيّة تدخل في حوار مع الإنسان، فتتحوّل إلى مصدر للرؤيا.

وتقوم الشعريّة ثانيًا على الإيقاع. فالنصوص تعتمد التكرار والتوازي والتدوير والترادف بوصفها وسائل لبناء موسيقى داخليّة، حيث تتقدّم الجملة لا وفق منطق السرد، بل وفق موجاتٍ صوتيّة متلاحقة تخلق إيقاعها الخاص.

وتقوم ثالثًا على الصورة الشعريّة. فالريحاني يعيد خلق الأشياء عبر المجاز والتشخيص والرمز، فتغدو الطبيعة مرآةً للذات الإنسانيّة، ويصبح المشهد الخارجيّ امتدادًا للتجربة الداخليّة، والصورة أداةً للمعرفة والكشف.

وتتجلّى شعريّة النثر في النزعة الرؤيويّة التي تطبع الكتاب. فالمتكلّم يتحدّث بصفته صوتًا إنسانيًّا كليًّا يتطلّع إلى الحرّيّة والوحدة والانسجام بين الإنسان والكون، ويقترب من نبرة الأنبياء والحكماء، حيث تمتزج الحكمة بالشعر، والتأمّل بالغناء.

لذا تكمن أهميّة نصوص “هتاف الأودية” ليس في كونها تجربةً مبكرة في النثر الفنيّ فحسب، بل إحدى التجارب الأولى والبعيدة التي مهّدت لظهور مفهوم قصيدة النثر في الأدب العربيّ الحديث. هنا الشعر طاقةٌ لغويّة ورؤيويّة قادرة على الظهور في أشكال تعبيريّة متعدّدة.

أركّز أوّلًا على الغاية الجماليّة في “هتاف الأودية”، فهي جوهر النصّ، حيث التجربة الشعريّة ذاتها هي موضوع هذا النصّ. وأركّز ثانيًا على البنية التي تبدأ بتحرير النصّ من المنطق النثريّ الصارم، فتعتمد التداعي والرؤية والصورة والإيقاع الداخليّ. لهذا أرى أنّ كثيرًا من نصوص الريحاني هذه لا تُقرأ بوصفها مقالات، بل بوصفها وحداتٍ شعريّة، مكتوبة في فقرات. وأركّز ثالثًا على الاستقلال عن المرجع الخارجيّ، حيث اللغة ليست في خدمة فكرة أو رسالة خارج النصّ، بل هي الحدث الجماليّ ذاتًا. فالقيمة ليست في المعلومة ولا في الفكرة وحدها، بل في طريقة تشكّل الرؤية داخل اللغة.

أُدرِج هذا المقال في باب التأريخ النقديّ، لضرورته في إلقاء ضوءٍ متواضعٍ على منبعٍ ريحانيٍّ تأسيسيٍّ من منابع غير فرنسيّة وغير تغريبيّة، غفيرة ومتعدّدة ومتنوّعة، قديمة وحديثة، للحداثة الأدبيّة العربيّة، ولقصيدة النثر فيها “بينها الأناشيد السومريّة، وأناشيد الكتاب المقدّس وأسفاره، وشذرات الإمام عليّ ونهج بلاغته، ونثر المتصوّفة، وهلمّ…”.

شعرُ الريحاني المنثور تأسيسيٌّ. وأنا، والحال هذه، أشهد له.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك