هل كان حديث #نتنياهو عن القرى #المسيحية رسالة سياسية أم تمهيداً لسيناريو أكبر؟

بقلم د. أنيس راشد – خاص بوابة بيروت

@dr_rachid123

أثار تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تحدث فيه عن أن بعض القرى المسيحية ترغب بالانضمام إلى إسرائيل، موجة واسعة من الاستغراب والرفض، وسارعت القرى المعنية إلى نفي هذا الادعاء بشكل قاطع. لكن السؤال الأهم ليس فقط: هل كان التصريح صحيحاً؟ بل: لماذا قيل في هذا التوقيت تحديداً؟

إذا عدنا إلى تسلسل الأحداث خلال الأشهر الماضية، نلاحظ أن الجيش الإسرائيلي وجّه أكثر من رسالة إلى سكان بعض القرى الحدودية، دعاهم فيها إلى “حماية أنفسهم” ومنع دخول الغرباء إلى مناطقهم. غير أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تعلم جيداً أن هذه القرى لا تمتلك القدرات العسكرية أو اللوجستية التي تخولها القيام بمثل هذا الدور، ما يجعل هذه الدعوات، وفق هذا التحليل، أقرب إلى محاولة دفع الأهالي نحو مواجهة لا يملكون مقوماتها، بما قد يفتح الباب أمام صدامات داخلية تدفع تلك القرى ثمنها من أمنها ودماء أبنائها.

وفي حال وقوع مثل هذا السيناريو، يصبح التدخل الإسرائيلي قابلاً للتسويق تحت عنوان “حماية الأقليات”، وهو خطاب كرره نتنياهو في أكثر من مناسبة، من حديثه عن دعم الدروز في السويداء إلى خطابه الأخير. ويبدو أن هذا الخطاب يخدم، من وجهة نظر سياسية، عدة أهداف في آن واحد.

أولاً، محاولة استعادة جزء من التعاطف الأوروبي الذي تراجع بصورة كبيرة خلال الحرب، عبر تقديم إسرائيل كمدافع عن الأقليات الدينية. وثانياً، مخاطبة توجهات داخل الإدارة الأميركية، ولا سيما الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي سبق أن تحدث عن أهمية حماية المسيحيين في الشرق الأوسط. وثالثاً، محاولة كسب تعاطف شريحة من اللبنانيين عبر الإيحاء بأن إسرائيل تمثل ضمانة أمنية لبعض المكونات اللبنانية. وأخيراً، إيجاد مبرر سياسي وأخلاقي لاستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في المناطق الحدودية باعتباره وجوداً “وقائياً” أو “حمائياً”.

لكن لماذا سارعت القرى المسيحية إلى إصدار بيانات النفي؟

الجواب يرتبط بطبيعة المناخ السياسي اللبناني الحالي، حيث باتت تهم التخوين والعمالة والتطبيع تُستخدم بكثافة في السجال الداخلي. وأي إيحاء بوجود رغبة لدى قرى مسيحية بالارتباط بإسرائيل قد يتحول إلى ذريعة لاتهام سكانها، ويضعهم في دائرة الخطر، ويهدد أمنهم وسلامتهم.

ومن هذا المنطلق، فإن نفي تلك القرى لم يكن مجرد رد على تصريح إعلامي، بل كان أيضاً محاولة لحماية أهلها من أي تداعيات أمنية أو سياسية قد تنشأ عن هذا الكلام.

وإذا صح أن إسرائيل تراهن على خلق حالة من الاحتقان الداخلي، فإن أي اعتداء قد تتعرض له هذه القرى نتيجة حملات التخوين سيمنحها فرصة لتقديم نفسها أمام الرأي العام الغربي بوصفها “الطرف الذي يحمي المسيحيين”، مقابل تصوير خصومها كقوى تستهدف الأقليات. وبهذا المعنى، فإن الفتنة الداخلية، إن وقعت، قد تتحول إلى ورقة سياسية وإعلامية تبرر استمرار الوجود الإسرائيلي في تلك المناطق تحت شعار الحماية، وربما تخلق مع الوقت بيئة تدفع بعض السكان إلى اعتبار هذا الوجود ضمانة لأمنهم.

في النهاية، سواء كان تصريح نتنياهو جزءاً من خطة سياسية مدروسة أو مجرد رسالة إعلامية، فإن خطورته تكمن في أنه يلامس أحد أكثر الملفات حساسية في لبنان: العلاقة بين الطوائف، وإمكانية استغلال المخاوف المتبادلة لإعادة رسم الوقائع السياسية و ربما الحدودية

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك