
مدير التحرير
#لبنان بين اختبار التنفيذ وخرائط النفوذ الجديدة: هل يعود التاريخ بصيغة Déjà vu؟
الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي
@DRMICHElCHAMMAI
انتقل الملفّ اللبناني من مرحلة التوقيع الإطاري إلى مرحلة اختبار التنفيذ، على وقع استمرار الضغوط العسكريّة الإسرائيليّة، حيث بدا لافتًا، ظهر أمس، تحليق الطيران الحربي الإسرائيلي فوق مدينة بيروت، التي لم تخلُ سماؤها من الطيران المسيّر منذ أكثر من ثلاثة أيّام، فضلًا عن التفجير الذي هزّ العاصمة دمشق على قاعدة تنفيذٍ بدت Déjà vu؛ وهو ما يطرح عدّة إشكاليّات، لعلّ أهمّها: هل ستستطيع الدولة اللبنانيّة رأب الصدع بين الاتفاقيّات السياسيّة والوقائع الميدانيّة؟
ولعلّ المشهد يعيد إلى الأذهان التجربة اللبنانيّة بعد توقيع اتفاق الطائف عام 1989، حين سبق تثبيت الوقائع الأمنيّة استكمال تنفيذ البنود السياسيّة، فبقيت الهوّة واسعة بين النصّ والتطبيق. وهذا ما جعل التطبيق معتورًا وناقصًا. فبقي الاتّفاق جنينًا في رحم التوازنات الإقليميّة ولم تكتب له الولادة الكاملة.
فرنسا تبحث عن الشرق… من بوابة دمشق
سوريًّا، يبدو أنّ فرنسا، الأمّ الحنون للبنان، باتت مقتنعة تمام الاقتناع بأنّ دورها في لبنان أصبح محصورًا في الناحية الوجدانيّة اللبنانيّة، نتيجة الإصرار الأميركي على حلّ القضيّة اللبنانيّة، التي تعتبر الإشكاليّة السياديّة فيها ذات منشأ داخلي، فيما يشكّل السلام مع إسرائيل الإشكاليّة الخارجيّة.
ولعلّ هذا ما شكّل دافع الزيارة إلى دمشق، التي وُقِّع هامشها بتفجير، جاءت طريقته معهودة ومعروفة، وتمّ اختبارها سابقًا، بدءًا من تفجيري مسجدي التقوى والسلام، بل وقبل ذلك بما عرفه لبنان خلال حقبة التفجيرات السياسيّة بين عامَي 2004 و2008، حين كانت الرسائل الأمنيّة تُستخدم لتعديل المسارات السياسيّة، وليس عودةً إلى زمن التفجيرات التحذيريّة في مرحلة 14 آذار.
تقاطع المصالح… ونقيضها
فرنسا بحاجة إلى بوّابة للشرق الأوسط غير البوابة اللبنانيّة التي قد تخسرها، على المدى المتوسّط، لصالح الأميركي، وسوريا بحاجة إلى بوّابة أوروبيّة غير البوابة الروسيّة التي يبدو أنّها خسرتها.
لكن التفجير أتى لينسف هذا المسار الجديد، بسبب تضرّر الطرف اللبناني الذي كان يستعمل فرنسا لينسج صفقات رئاسيّة وحكوميّة بعد إغداق الوعود عليها، وكذلك لينسف المسار السوري المندفع للخروج من تحت العباءة الروسيّة القديمة.
فتقاطع المصالح كان سبب الزيارة، ونقيض المصالح كان سبب التفجير.
فهل ستستطيع الحكومة السوريّة تجاوز هذه العقبات لتفتح بابًا جديدًا مع فرنسا، فتغدو الأخيرة الأمّ الحنون لسوريا الجديدة؟ ويذكّر هذا المشهد بما جرى بعد مؤتمر مدريد عام 1991، حين تداخلت المصالح الدوليّة والإقليميّة في رسم خرائط النفوذ الجديدة في المشرق، قبل أن تعود الوقائع الأمنيّة فتفرض أولويّاتها على السياسة.
الجنوب… مشروع المناطق التجريبيّة أمام الامتحان
أمّا لبنانيًّا، فلا يمكن تجاوز الميدان وتطوّراته المتسارعة، وإن كانت تسير بوتيرة غير متسرّعة. فلا يبدو أنّ الإسرائيلي عازم على التوقّف قبل رفع علمه على المنطقة الجنوبيّة التي لا تزال تحت سيطرة المنظّمة، كما لا تبدو منظّمة حزب الله مستعدّة لتسليم مواقعها للجيش اللبناني. وهذا يعني عمليًّا فشل مشروع المناطق التجريبيّة، ولعلّ ذلك سيشكّل مدخلًا إلى إعادة اشتعال الميدان جنوبًا. ومن يعرف عند أيّ حدود قد يقف هذا الاشتعال؟
ويعيد ذلك إلى تجربة “الحزام الأمني” في جنوب لبنان، حيث أثبت التاريخ أنّ إنشاء مناطق عازلة لا ينجح ما لم يقترن بتسوية سياسيّة شاملة.
واشنطن… الفرصة الأخيرة؟
برز أيضًا تطوّر لافت، وإن كان مرتقبًا، تمثّل في تحديد الحادي والعشرين من الجاري موعدًا لزيارة فخامة رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة إلى الولايات المتحدة للقاء الرئيس الأميركي. وتأتي هذه الزيارة بعد نحو أسبوع من موعد الجولة السادسة من المفاوضات، المحدّدة في الخامس عشر والسادس عشر من الجاري، والتي ستُعقد في روما، كما بات معروفًا.
فهل سينجح فخامته في انتزاع مزيد من الصبر الأميركي، في ظلّ اقتراب الانتخابات النصفيّة الأميركيّة على إيقاع هادئ للجبهات؟ أم ستتحوّل الزيارة إلى إعلان غير مباشر عن عجز الحكومة عن تطبيق تعهّداتها، في ظلّ تعنّت المنظّمة واستمرار الضربات الإسرائيليّة؟
الضوء الأخضر… بين ترامب ونتنياهو
ولعلّ هذا الخيار، الذي يبدو مرجّحًا، سيفتح النافذة أمام ضوء أخضر إسرائيلي جديد. ومن يعلم عقل نتنياهو، الذي قد يرفض الانصياع لرغبات ترامب؟ وهو ما يرجّح تفلّته من القيود “الترامبيّة”، ليستأنف القتال جنوبًا، ولكن هذه المرّة بلا حدود أو ضوابط أو احتمالات لتأجيل الحسم.
فناقوس الانتخابات الإسرائيليّة بدأ يقرع، ولن يدخلها نتنياهو بلا نصرٍ محتوم. فهل تغلب الاعتبارات الانتخابيّة الحسابات الدبلوماسيّة كما حدث في زمن مناحيم بيغن عام 1982، عندما تداخلت الحسابات الداخليّة الإسرائيليّة مع قرار الحرب على لبنان، فغلبت الاعتبارات الانتخابيّة على الحسابات الدبلوماسيّة؟
شرق المتوسّط… خرائط النفوذ الجديدة
ولم تخفَ المخاوف التي ظهرت في بعض المصادر الصحافيّة والإعلاميّة الإسرائيليّة حيال قرار الرئيس ترامب رفع العقوبات عن تركيا وبيعها طائرات F-35، بعدما وصفها بأنّها “دولة صديقة”، قائلًا: “لا نريد معاقبة الأصدقاء”.
ويعني هذا التطوّر، عمليًّا، إعادة تثبيت النفوذ العربي الإسلامي–الطوراني من جهة الشمال، مقابل النفوذ الإسرائيلي جنوبًا، بما يؤسّس لتوازن استراتيجي جديد في شرق المتوسّط، في ظلّ التوازن العربي (الوهّابي)– الإيراني (الصفوي) في الشرق، وعلى وقع إعادة رسم مناطق النفوذ.
تمامًا كما حصل بعد مرحلة الحرب العالميّة الثانية حيث رسّمت مناطق النّفوذ الكبرى بين حلف شمال الأطلسي (1949):- الناتو- الذي تأسّس بقيادة الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، وشكّل التحالف العسكري للمعسكر الغربي. وحلف وارسو(1955) الذي تأسّس بقيادة الاتحاد السوفياتي، وضمّ دول الكتلة الشرقية، وكان الذراع العسكرية للمعسكر الشيوعي. حيث بقيت الدّول الصغى وقتذاك معلّقة بين توازنات الآخرين. وبعضها دفع أثمانًا باهظة لتضارب المصالح بين هذين الحلفين. ولم يكن لبنان بمنأى عنهما أبدًا وقتذاك.
لبنان… بين ولادتين
ولبنان عالق بين منطقتَي نفوذ على مشارف ولادة قيصريّة–قسريّة. ولا أحد يستطيع تقدير موعد هذه الولادة، لأنّها، في أصلها، ولادة غير طبيعيّة، وعلى أمل ألّا تكون أيضًا ولادة غير صحيّة للبنان. ولا سيّما بعد التعاطفين اللذين شهدتهما طرابلس مع الشيباني، والضاحية مع جنازة الخامنئي. فأيّ لبنان نريد؟
وهل ينجح أخيرًا في كسر الحلقة التي رافقته منذ اتفاق القاهرة عام 1969، حيث ظلّ يتأرجح بين مشاريع المحاور بدل أن يكون صاحب مشروعه الوطني؟ وهل يستطيع أن يكون لبنان محايدًا بين هاتين المنطقتين الموعودتين؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير