
مدير التحرير
صناعة النظام الجديد في الشرق الأوسط
خاص بوابة بيروت
لم تعد أحداث المنطقة مجرد سلسلة تطورات متفرقة، بل أصبحت أجزاءً من مشروع سياسي واحد يعاد من خلاله رسم خرائط النفوذ ووظائف الدول في الشرق الأوسط بدءًا بالمناطق التجربيّة في الجنوب اللبناني، إلى جولة روما القادمة، والضربات المستمرّة على إيران والحراك الإسرائيلي تجاه واشنطن، هذه كلّها تندرج في إطار الترتيبات لمرحلة ما بعد نفوذ المحور الإيراني. لكن هل يمكن أن يكون لبنان المختبر الحقيقي لهذه المرحلة، ولاسيّما إذا نجح في تحويل الاتّفاقات الدّوليّة المدماك الأوّل لإعادة بناء فعليّ لدولة قابلة للحياة؟
الشرق الأوسط بين سقوط المحاور وصناعة النظام الجديد
ممّا لا شكّ فيه أنّ المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة قد انتقلت إلى مستوى أعلى، ولاسيّما بعد تنفيذ الولايات المتّحدة الأميركيّة موجات واسعة من الضربات على أهداف إيرانيّة، عقب الهجوم الصاروخي الإيراني الذي استهدف القواعد الأميركية. والمتغيّر الجديد الذي برز في الميدان الحربي هو استهداف السعودية للميليشيات الموالية إيران في العراق، بعد ضرب تلك الأخيرة لمصالح سعودية، وصولًا إلى اتّساع رقعة المواجهة إلى الأردن وحتّى مصر واليمن.
في هذا الإطار لا تقرأ التطوّرات إلّا وفقًا لمسارين:
– مسار الضّغط الأخير قبل استئناف المسار التفاوضي الذي سقط في إسلام آباد.
– حرب استنزاف وإنهاك للنّظام الإيراني حتّى سقوطه بفعل الأمر الواقع إن لم يكن بالقوّة الصلبة.
وفي كلتا الحالتين، تحتّم هذه التطوّرات على إيران تقديم التنازلات الاستراتيجيّة لأنّ ما يحدث لن تستطيع الصمود كثيرًا تحت وطأته.
روما… وأنقرة… وبيروت: الطريق إلى النظام الإقليمي الجديد
كما توقّعنا منذ بداية تنفيذ تجربة المناطق التجريبية، صعوبات جمّة تعترض هذا المسار إن من ناحية تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي أو آليّة التحقّق من عمليّة نزع السلاح أو عودة الأهالي. فهذه المحاور الثلاثة ما زالت قيد التجارب، كي لا نقول إنّها في غرفة الإنعاش في محاولة من الأطراف كافّة لإنجاحها. فحتّى الإسرائيلي يسعى إلى ذلك لأنّ نجاح هذه التّجربة أخفّ وطأة عليه، ومسارها الطّويل يؤمّن له القدرة على الاستنزاف أكثر لمنظّمة حزب الله. وهذا ما يجعل كلّ ما يحدث مرحلة اختبار لاتّفاق 26 حزيران.
لقد اختار رئيس الجمهورية أن يجعل أنقرة محطته التالية بعد واشنطن، لأن تركيا أصبحت الدولة الوحيدة القادرة على مخاطبة واشنطن وموسكو ودمشق والعواصم العربية في آن واحد، ما يمنحها موقعًا مؤثرًا في أي ترتيبات إقليمية مقبلة في محاولة إيجابيّة لقراءة الاستراتيجيات الديبلوماسيّة الجديدة في المنطقة.
هذه الاستراتيجية التي تقوم على تنويع الشركاء عسى أن تتحوّل أنقرة إلى شريك تنفيذي سواء عبر دعم الجيش أو إعادة الإعمار في المرحلة القادمة. أو من الممكن أن تلعب دورًا كبيرًا في ملفّ الطاقة حيث تسعى تركيا لأن تكون مركزًا إقليميًّا للطاقة، وحتّى في ملفّ النّازحين. وإذا نجحت هذه الزيارة في ترجمة أهدافها، فقد تشكل خطوة مهمة في توسيع شبكة الدعم الإقليمي للبنان، وتحويل بيروت من ساحة لتلقي تداعيات الأزمات إلى شريك في إدارة المرحلة الجديدة. وقد تتحوّل إلى مركز أو Hub لإدارة الشبكة الإقليمية والدّوليّة بهدف مواكبة مرحلة الشرق الأوسط الجديد.
ممّا لا شكّ فيه أنّ تركيا تملك أوراق قوّة عديدة برغم تجاذباتها الدّاخليّة، فهي لا زالت تملك علاقات ممتازة مع واشنطن تجلّت في صفقة الموافقة على شرائها طائرات الF35 من الولايات المتّحدة الأميركيّة. كما أنّ القنوات المفتوحة مع الرئيس السوري التي من الممكن أن تجعل من تركيا فاعلا في هذا الملفّ. هذا كلّه من دون إغفال دورها في النّاتو.
إذا كان المسار العسكري يرسم ميزان القوى، فإن المسار الدبلوماسي يسعى إلى تثبيته. وهذا كلّه يؤشّر إلى إمكانيّة أن تتحوّل تركيا إلى ضامن إقليميّ للمرحلة الجديدة في لبنان، حيث بإمكانها الاستفادة من أيّ تقارب إسرائيلي قد يحدث في المستقبل بعد توتّر العلاقة مع الأزرق. وهنا بالتّحديد يشهد للعهد إذا نجح في قدرته على عمليّة الإشراك الإقليمي للحصول على المزيد من الدعم في هذه المرحلة العصيبة والصعبة التي تمرّ بها المنطقة ولبنان.
لبنان في قلب ولادة الشرق الأوسط الجديد
العدّ العكسي لجولة روما الثانية حيث تشير هذه الجولة إلى الحسم المرتقب بعد تقييم نتائج المرحلة الأولى من الإطار. والبحث سيتركّز على إمكانيّة تعميم نموذج هذه المناطق مع إمكانيّة توسيعها. حيث من الممكن أن تثار مسألة ترسيم الحدود وآليّات التنفيذ إذ قد تشكّل المدخل للبحث في معالم الاتّفاق الأمني الحدودي التي باتت تلوح في الأفق. ذلك كلّه والجيش اللبناني يبقى الضامن الوحيد للمرحلة المقبلة.
وأي فشل في هذا المسار سيكشف استحالة تطبيق الإطار بالكامل. ما سيستجرّ ضربات إسرائيلية جديدة تماشيًا مع ما يحدث في إيران أميركيًّا. وذلك قد يكون تمهيدًا للانتقال من مرحلة إدارة النّزاع إلى إنهائه من بوابة روما 2. ولن يتحقّق إلّا بدءًا من وقف الأعمال العسكرية، توصّلًا إلى ترتيبات أمنية دائمة، وربما إلى تفاهم سياسي أوسع.
الشرق الأوسط بين نظامين، فالمنطقة لم تعد تعيش أزمة عابرة، بل انتقالًا من النظام الذي نشأ بعد عام 1979 إلى نظام جديد قيد التشكل. وقد لا تكون المعارك الحالية هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة لفرض موازين قوى جديدة تسبق التسويات السياسية الواسعة. عصر المحاور قد انتهى. ويبدو أنّ الأولوية الأميركية بعد الحرب على إيران ستكون إعادة تشكيل وظائف الدول وحدود النفوذ في المنطقة؛ ولا سيّما بعد إسقاط شبه كلّيّ لأنظمة ومحاور المنطقة الخارجة عن مسار التّاريخ. يبدو أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب أفول عصر المحاور، ودخول مرحلة يعاد فيها تعريف أدوار الدول ووظائفها. وفرص نجاح عودة الدّولة في لبنان تتزايد. فهل ستستطيع الدّولة أن تصبح فعلًا دولة؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير