ثقافة الفساد وبوصلة الوعي
بقلم د. كلير فخر الدّين – خاص بوابة بيروت
لا يبدأ الفساد من لحظة اختلاس المال العام، ولا ينتهي عند حدود فضيحة سياسية أو حكم قضائي. الفساد في مراحله الأعمق لا يُقاس بالفعل نفسه، بل بما يتحول إليه داخل المجتمع من سلوك فردي إلى نمط تفكير، ومن حالة استثنائية إلى جزء من الحياة اليومية، ثم إلى بنية ثقافية تعيد إنتاج نفسها بصمت. عند هذه المرحلة تحديدًا، لا يعود السؤال متعلقًا بالأشخاص فقط، بل بطريقة تشكّل الوعي الجماعي نفسه.
المفارقة أن المجتمعات التي تتحمل الكلفة الأكبر للفساد—اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا—قد تكون الأكثر قدرة على التعايش معه، بل وأحيانًا على الدفاع عنه. هنا يصبح الفساد أقل ارتباطًا بالفعل وأكثر ارتباطًا بما يسميه علم الاجتماع السياسي إعادة إنتاج القبول الاجتماعي للسلطة، حتى عندما تكون هذه السلطة مصدر الضرر.
لفهم هذه الديناميكية، لا يكفي التحليل السياسي المباشر، بل لا بد من المرور عبر تقاطعات علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع السياسي ونظريات السلطة. يشرح عالم النفس الاجتماعي ليون فستنغر Leon Festinger في نظرية التنافر المعرفي Cognitive Dissonance أن الإنسان يميل إلى تقليل التناقض بين قناعاته وسلوكه عبر تبرير الواقع بدل تغييره. هذا يفسر كيف يمكن لشخص متضرر من منظومة سياسية أو اقتصادية أن يستمر في الدفاع عنها، ليس اقتناعًا ببرامجها، بل تفاديًا للاعتراف بخطأ الانتماء السابق.
على مستوى أوسع، يقدّم المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي Antonio Gramsci مفهوم الهيمنة الثقافية Cultural Hegemony، حيث لا تستمر السلطة عبر القمع وحده، بل عبر إنتاج “قبول ضمني” يجعل منظومة الأفكار السائدة تبدو طبيعية وغير قابلة للتبديل. بهذا المعنى، يتحول الوعي نفسه إلى مساحة تُدار فيها السلطة، لا مجرد مساحة تراقبها.
هذا يقودنا إلى قراءة أقدم عند ابن خلدون ، الذي قدّم مفهوم العصبية أي قوة الرابط الاجتماعي الذي قد يتقدم أحيانًا على منطق الدولة والقانون. في هذا الإطار، لا يكون الانتماء مجرد علاقة اجتماعية، بل يصبح معيارًا لتقييم السلطة نفسها، ما يفسر كيف يمكن للولاءات الضيقة أن تتفوق على فكرة المواطنة أو المحاسبة.
لكن هذه البنية لا تكتمل إلا عندما تصبح قابلة لإعادة الإنتاج. هنا تبرز أهمية ما طرحه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو Pierre Bourdieu حول إعادة الإنتاج الاجتماعي Social Reproduction، حيث لا تُنتج المؤسسات فقط القوانين، بل تُعيد إنتاج أنماط التفكير والسلوك عبر التعليم، والإعلام، والعائلة، والرموز الاجتماعية، بحيث يصبح الواقع نفسه مُعاد تشكيله داخل الوعي قبل أن يُمارس خارجه.
في هذا السياق، لا تبدو الانتخابات—رغم أهميتها الإجرائية—إلا انعكاسًا لهذه البنية العميقة. فهي لا تعيد فقط إنتاج الطبقة السياسية، بل تكشف أيضًا أن جزءًا من المجتمع قد أعاد ترتيب أولوياته بين الكفاءة والانتماء، بين المحاسبة والحماية، بين الدولة والجماعة. وعند هذه النقطة، لا يعود الفساد مجرد خيار سياسي، بل يصبح جزءًا من منطق الاختيار نفسه.
الأمر الأكثر تعقيدًا أن هذا المنطق لا يُصنع بالقوة فقط، بل عبر أدوات متعددة: الإعلام، الخطاب الديني أو الطائفي، الخوف من التغيير، والذاكرة الانتقائية التي تجعل المجتمعات تتذكر الانتماء أكثر مما تتذكر الكلفة. هكذا تتحول الهوية من إطار للانتماء إلى إطار للحماية، ومن وسيلة للتعبير إلى أداة لمنع المساءلة.
في هذا السياق، يقدّم المفكر الإيطالي نيكولو مكيافيلي Niccolò Machiavelli، في كتابه الأمير The Prince، تصورًا للسلطة بوصفها قدرة على إدارة إدراك الناس واستقرار الحكم عبر موازنة الخوف والقبول. لكن في السياقات الحديثة، لم تعد هذه الإدارة تعتمد فقط على الإكراه، بل على بناء تصورات اجتماعية تجعل استمرار المنظومة يبدو ضروريًا أو أقل كلفة من تغييره.
وإذا انتقلنا من النظرية إلى الواقع البنيوي، يوضح الاقتصادي دوغلاس نورث Douglass North أن المؤسسات هي التي تحدد شكل السلوك الاقتصادي والسياسي، وليس الأفراد وحدهم. فالأفراد أنفسهم يتغيرون سلوكًا بين بيئة مؤسسية تُكافئ الكفاءة وأخرى تُكافئ الولاء. لذلك، لا يمكن تفسير التفاوت بين نجاح الأفراد خارج بلدانهم وتعثرهم داخلها من زاوية فردية فقط، بل من زاوية بنية المؤسسات نفسها.
من هنا تتضح الصورة: الفساد لا يستمر لأنه قوي فقط، بل لأنه يصبح متجذرًا في البنية الثقافية والاجتماعية، بحيث يعاد إنتاجه من داخل المجتمع نفسه، لا من خارجه. ومع مرور الوقت، لا يعود الفساد مجرد انحراف عن القاعدة، بل يتحول إلى جزء من القاعدة ذاتها.
وعند هذه المرحلة، تصبح الأزمة أعمق من السياسة وأكثر تعقيدًا من القانون. إنها أزمة في طريقة إدراك الواقع نفسه، حيث تختلط مفاهيم الانتماء بالمحاسبة، والحماية بالولاء، والاستقرار بالتسليم. وهنا تحديدًا تفقد البوصلة اتجاهها، ليس لأن الاتجاه غير موجود، بل لأن معايير القياس نفسها أصبحت مضطربة.
إن مواجهة الفساد، في هذا السياق، لا تبدأ من تعديل النصوص القانونية فقط، بل من إعادة بناء الوعي الذي يجعل هذه النصوص قابلة للتطبيق أصلًا. فالقانون يستطيع أن يعاقب، لكنه لا يستطيع وحده أن يفكك منظومة ثقافية كاملة. وحده وعي جديد بالمواطنة، وبفكرة الدولة، وبحدود الانتماء، قادر على تحويل المحاسبة من استثناء إلى قاعدة، وإيقاف دورة إعادة إنتاج الفساد التي تتغذى على الخوف والولاء والاعتياد.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير