
مدير التحرير
راجعة بإذن الله
الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي
@DRMICHElCHAMMAI
تسارعت الأحداث، وتضاربت المواقف التي صدرت عن الرئيس الأميركي.
تمّ ضرب إيران، وصعّد الرئيس الأميركي لهجته تجاهها خلال مشاركته في قمّة حلف الناتو في أنقرة، حيث اعتبر أنّ مذكّرة التفاهم المؤقّتة مع إيران قد انتهت، واصفًا القيادة الإيرانيّة بأنّها “حثالة”، وقال إنّ التعامل معها أصبح مضيعةً للوقت، معلنًا أنّ الولايات المتحدة تستعدّ لتنفيذ ضربات جديدة ضدّ إيران إذا استدعت التطوّرات ذلك، قائلًا إنّ القوات الأميركيّة: “ضربتهم بقوّة الليلة الماضية، وسنضربهم بقوّة مرّة أخرى الليلة”. كما أكّد أنّ واشنطن ألغت الترخيص الذي كان يسمح لإيران ببيع النفط والبتروكيماويات، في إطار تشديد الضغوط الاقتصاديّة بعد انهيار التفاهم.
تشير هذه التصريحات إلى أنّ الإدارة الأميركيّة عادت إلى سياسة الردّ العسكري والضغط الاقتصادي، مع إبقاء احتمال التصعيد مفتوحًا إذا استمرّت الهجمات المنسوبة إلى إيران في المنطقة. وهذا ما أكّد سقوط مسار التفاوض، أو بالحدّ الأدنى تعليق هذا المسار حتّى ترقّب نتائج الميدان.
كذلك، شهد الميدان اللبناني تصعيدًا في الأحداث على أثر اعتقال القوات الإسرائيليّة عنصرًا من كتيبة الرضوان. وهذا يعني عمليًّا الانحدار في الانهيار التنظيمي والصمودي في قلب هذه المنظّمة التي لطالما تغنّت بالميدان.
بين التفاوض والميدان
هذه المؤشّرات تدلّ على أنّ المسار العسكري لا يزال مطروحًا على الطاولة، برغم استمرار المفاوضات، وذلك على خلفيّة استمرار أسباب عرقلة المفاوضات، من حيث الاعتداءات المستمرّة في مضيق هرمز من جهة، وعدم قدرة الحكومة اللبنانيّة على تنفيذ قراراتها السياسيّة، أو حتّى تنفيذ ما تمّ التوافق عليه في الاتّفاق الإطاري.
وهذا ما نتج عن تصلّب فخامة الرئيس بمواقفه مع دولة الرئيس والحكومة، معطوفًا على هذا التمسّك الدعم العربي الذي تلقّاه من دول مجلس التعاون الخليجي، فضلًا عن ميل الدفّة الأميركيّة باتّجاه الحسم في الملفّ اللبناني.
هذا التصلّب السيادي قوبل بالتصلّب الارتهاني، وهذا ما سيدفع، بدوره، إلى تصعيد إسرائيلي ـ أميركي يلوح في سماء لبنان؛ لأنّ لبنان لم يعد ساحة صراع لاختبار النفوذ، بل أضحى، على صغره، مختبرًا للتجارب الدوليّة، أي، بمعنى آخر، أنّ القوى الدوليّة والإقليميّة تختبر فيه نماذج جديدة لإدارة الشرق الأوسط.
من صندوق بريد إلى مختبر دولي
في زمن الحرب الباردة، كان لبنان صندوق بريد تتبادل عبره الدول الرسائل؛ أمّا بعد عام 2005، فأصبح مختبرًا لـ”الديمقراطيّة التوافقيّة” التي تحوّلت، بفعل السلاح غير الشرعي، إلى “ديمقراطيّة تعطيليّة”.
واليوم، جلّ ما تحاول الولايات المتحدة فعله في لبنان هو تعطيل هذه الديمقراطيّة التعطيليّة وتحويلها إلى “ديمقراطيّة تفاعليّة”. لكنّ الإشكاليّة تكمن في عدم التوافق على الديمقراطيّة التوافقيّة، ما يطرح إشكاليّة النظام الذي سيستوعب الهامش التفاوضي الذي قد تصل إليه الدولة اللبنانيّة.
فبعد عام 2006، أصبح لبنان مختبرًا لـ”توازن الردع”؛ هذا التوازن الذي سقط بفعل فشل تجربة الميدان الاستفزازيّة، التي نجحت المنظّمة باقترافها خطيئةً مميتة بحقّها، ومحييةً بحقّ الوطن.
كما لا يمكن القفز فوق التداعيات الاقتصاديّة التي انفجرت بعد عام 2019، حيث أصبح لبنان مختبرًا للانهيار الاقتصادي، وكيف يمكن لدولة أن تستمرّ من دون دولة. أو، بمعنى آخر، يوم انبرى أحد الجهابذة ليعلّم العالم كيفيّة إدارة بلد من دون موازنات، فسقط هو وأسقط معه البلد بأكمله.
معركة الدولة
الصراع الحقيقي اليوم هو حول كيفيّة استعادة السيادة ونزع السلاح، من دون السماح لهذا السلاح بالانزلاق إلى حالة من الحرب التي قد تطيح بما تبقّى من نواة دولة يسعى فخامة الرئيس للحفاظ عليها، من خلال انتزاع شرعيّة وجودها أمميًّا عبر الجولات التفاوضيّة، مع إصراره، حتّى الساعة، على عدم إسقاط النظام السياسي كنتيجة للفوضى الممكن إثارتها.
ما يجري في لبنان لم يعد شأنًا لبنانيًّا فحسب، بل أضحى نموذجًا يتمّ تطبيقه، لا بل اختباره، ليُصار إلى تطبيقه على سائر البلدان التي عاثت فيها يد طهران دمارًا وخرابًا وفسادًا وانهيارًا. فإسبانيا، بعد وفاة فرانكو، كانت مختبرًا للانتقال السلمي من الدكتاتوريّة إلى الديمقراطيّة.
وألمانيا، بعد الحرب العالميّة الثانية، كانت مختبرًا لإعادة بناء دولة مهزومة. أمّا البوسنة، بعد اتفاق دايتون، فكانت مختبرًا لنظام سياسي قائم على تقاسم السلطة، فيما كانت أيرلندا الشماليّة، بعد اتفاق الجمعة العظيمة، مختبرًا لتحويل منظّمة مسلّحة إلى شريك سياسي.
لبنان… التجربة المقبلة
هذه النماذج كلّها نحن بحاجة إلى الاستسقاء والتعلّم منها. فلبنان لا يُناقِش تفاصيل يوميّة في كيفيّة إدارة شؤون الدولة، بل هو يُناقَش على نموذجه في كيفيّة بناء دولة نتيجةً لتسويات إقليميّة ودوليّة باتت شبه ناضجة، ليكون التجربة السياسيّة في تحديد شكل تسويات الشرق الأوسط الجديد في العقد المقبل، لا بل في القرن المقبل.
وهذا ما يفسّر لغز الاهتمام بالملفّ اللبناني، على صغر حجم هذا الوطن الذي دفع ثمن كونه رسالةً ومختبرًا لسائر الأوطان في الشرق الأوسط. هذا ما يجب الانتهاء منه، ولا سيّما إن كانت راجعة، بإذن الله، تلك التجارب العسكريّة التي غالبًا ما كانت على حساب هذا الوطن.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير