بين ترقيع «العفو» وعدالة المحاكمات.. أزمة السجون اللبنانية إلى أين

العفو قد يعالج جزءاً من مشكلة المحكومين، لكنه لا ينصف مظلوماً لم يُحاكم بعد، ولا يعوّض سنوات ضاعت من عمر إنسان ينتظر جلسة أو قراراً قضائياً.

خاص بوابة بيروت

حين تصبح الحرية معلّقة بين طعنٍ دستوري وانتظارٍ قضائي، لا يعود السؤال: متى يصدر العفو؟ بل: متى تبدأ العدالة؟

ما يحدث اليوم في سجن رومية ليس حادثاً عابراً. فالإضراب عن الطعام والدواء يعكس حجم الاحتقان داخل السجون، بعدما علّق المجلس الدستوري مفعول قانون العفو العام إلى حين البت بالطعن المقدّم أمامه. (Naharnet)

لكن الأزمة أعمق بكثير من قانون عفو تعثّر.

فالتقرير السنوي للهيئة الوطنية لحقوق الإنسان يشير إلى أن نحو 82% من نزلاء السجون هم موقوفون احتياطياً، فيما بلغ عدد النزلاء أكثر من 6,200 شخص في آذار 2026، وسط اكتظاظ وصل في بعض الفترات إلى مستويات تقارب ثلاثة أضعاف القدرة الاستيعابية. (الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان – لبنان)

وهنا السؤال المفصلي:

هل يكون الحل بالعفو أم بالمحاكمة؟

العفو قد يعالج جزءاً من مشكلة المحكومين، لكنه لا ينصف مظلوماً لم يُحاكم بعد، ولا يعوّض سنوات ضاعت من عمر إنسان ينتظر جلسة أو قراراً قضائياً.

فالعدالة الحقيقية لا تكون بحلول مؤقتة، بل بمحاكمة عادلة وسريعة، وتطبيق القانون على الجميع.

أولاً: الإنسان قبل كل شيء

التوقيف الاحتياطي إجراء استثنائي لحماية التحقيق وضمان حضور الموقوف أمام القضاء، وليس عقوبة تسبق الحكم.

ومن هنا، تصبح مراجعة أوضاع كبار السن والمرضى وذوي الحالات الصحية الحرجة أولوية إنسانية وقانونية، خصوصاً عندما تنتفي، في الحالة الفردية، مبررات استمرار الاحتجاز، ويمكن للقضاء اعتماد بدائل قانونية كالكفالة أو سند الإقامة أو غيرها من التدابير التي يجيزها القانون.

فالعدالة لا تعني فقط أن يُحاكم الإنسان، بل أن يُعامل بكرامة إلى أن يصدر الحكم بحقه.

ثانياً: عندما يتحول التوقيف إلى عقوبة

المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية وضعت ضوابط ومدداً للتوقيف الاحتياطي، والهيئة الوطنية لحقوق الإنسان نفسها أطلقت مبادرة لتسهيل طلبات إخلاء السبيل استناداً إليها، بهدف الحد من الاكتظاظ وحماية الضمانات القانونية للموقوفين. (الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان – لبنان)

فإذا تجاوز التوقيف الحدود التي يجيزها القانون، يتحول الأمر من إجراء احترازي إلى مساس خطير بالحرية الشخصية.

والسؤال هنا ليس فقط: متى يُفرج عنه؟

بل أيضاً:

من يعوّض إنساناً خسر عمله، وتراكمت ديونه، وتضررت أسرته وسمعته، ثم تبيّن أنه بريء أو أن توقيفه تجاوز الحدود القانونية؟

هنا نحتاج إلى معالجة تشريعية واضحة تضمن آلية عادلة وفعالة لجبر الضرر الناجم عن التوقيف غير المشروع أو غير المحق، حتى لا يصبح الموقوف ضحية مرتين: مرة بفقدان حريته، ومرة بالخروج من السجن إلى المجهول.

ثالثاً: من النداء إلى خطة عمل

المطلوب اليوم ليس المزيد من البيانات، بل خطوات عملية:

* تسريع البت في ملفات الموقوفين وتكثيف جلسات المحاكم ضمن الأصول القانونية.
* مراجعة أوضاع الموقوفين احتياطياً حالةً بحالة، والإفراج عمن لا تتوافر مبررات قانونية لاستمرار توقيفه.
* إعطاء الأولوية لكبار السن والمرضى والحالات الإنسانية الحرجة وفق قرار قضائي وضمانات قانونية مناسبة.
* تفعيل العمل القضائي والرقابة على مدد التوقيف لمنع تحول التأخير الإداري أو اللوجستي إلى سلب فعلي للحرية.
* تسريع التحول الرقمي والربط بين السجون والمحاكم للحد من تأجيل الجلسات لأسباب تتعلق بالنقل والإجراءات.
* إقرار آلية تشريعية للتعويض وجبر الضرر في حالات التوقيف غير المشروع أو غير المحق، وفق معايير واضحة.
* معالجة الاكتظاظ من جذوره بسياسة مستدامة للتوقيف الاحتياطي، لا بقوانين عفو تتكرر كلما انفجرت الأزمة.

لقد آن الأوان للخروج من دائرة: اكتظاظ، احتجاج، قانون عفو، طعن، انتظار… ثم أزمة جديدة.

فالدولة لا تُقاس فقط بعدد القوانين التي تصدرها، بل بقدرتها على حماية حرية الإنسان وكرامته وتطبيق القانون عليه وعليه وحده.

المظلوم لا ينتظر عفواً عن جرم لم يرتكبه؛ بل ينتظر محاكمة عادلة تُعلن براءته وترد إليه كرامته وحريته.

والذي ارتكب جرماً لا يحتاج إلى عفوٍ يسبق العدالة، بل إلى محاكمة عادلة وحكمٍ عادل.

فلنفتح أبواب القضاء، لا أبواب الترقيع.
ولنترك للقانون أن يقول كلمته.

عندها فقط يستطيع لبنان أن يقول لكل مظلوم:

أنت حر… وباسم القانون، لك حقّك في الإنصاف.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك