اليوم العالمي للسلام… أيّ سلام هذا؟
السلام الذي لا نبنيه في داخل أوطاننا، سيبقى هشًّا مهما كثرت الاتفاقيات من حولنا.
بقلم خلود وتار قاسم
في الحادي والعشرين من أيلول، يحتفل العالم باليوم العالمي للسلام.
وأنا أسأل: أيّ سلام؟
هل السلام كلمة جميلة نرفعها على المنابر، ثم نضعها جانبًا عندما تتعارض مع مصالح الأقوياء؟
هل السلام سلعة تُعرض في الأسواق السياسية، تُسوَّق عندما تخدم المصالح، وتُسحب عندما تصبح العدالة مكلفة؟
هل هو اتفاق يُطلب من الشعوب المنهكة أن تقبله بعدما دُمّرت مدنها، وقُتل أبناؤها، واستُبيحت أرضها، واستُنزفت ثرواتها ومقدّراتها؟
لا أريد سلامًا يُطلب فيه من الضعيف أن يصمت، بينما لا يُطلب من القوي أن يعدل.
لا أريد عالمًا يصبح فيه الإنسان إنسانًا كامل الحقوق في مكان، وإنسانًا أقل قيمة في مكان آخر.
فالسلام لا يمكن أن يكون له معياران: دمٌ يستحق أن تتوقف الحروب من أجله، ودمٌ آخر يصبح رقمًا في نشرات الأخبار. شعبٌ تُصان سيادته، وشعبٌ آخر تصبح أرضه وثرواته ومستقبله موضوعًا للمساومات. دولةٌ تُحمى حدودها، ودولةٌ أخرى يُطلب منها أن تتعايش مع انتهاك حدودها وحقوقها.
السلام الحقيقي لا يُقاس فقط بصمت المدافع، بل بوجود العدالة عندما تصمت المدافع.
فالهدوء الناتج عن الخوف ليس سلامًا. والاستسلام ليس سلامًا. والقهر ليس سلامًا. ومحو هوية الشعوب ليس سلامًا. وسلب الأرض والثروات ثم مطالبة أصحابها بالهدوء ليس سلامًا.
السلام الذي أؤمن به هو سلام عادل؛ سلام يحفظ كرامة الإنسان وحقوق الشعوب وسيادتها، ويضع الإنسان في مواجهة الإنسان على قدم المساواة، مهما كان وطنه أو دينه أو عرقه أو حجم دولته أو مقدار قوتها.
لأن القانون الدولي إن كان يُطبّق على الضعفاء فقط، يفقد معناه. وحقوق الإنسان إن لم تكن حقوقًا لكل إنسان، تفقد معناها. والسلام إن لم يكن سلامًا للجميع، يتحول إلى إدارةٍ لموازين القوة لا إلى مشروع إنساني.
لكنني اليوم، وأنا أنظر إلى منطقتنا وإلى لبنان تحديدًا، أريد أيضًا أن أُضيّق البيكار قليلًا.
قبل أن نسأل العالم: لماذا لا يعطينا السلام؟ علينا أن نسأل أنفسنا: هل صنعنا نحن السلام بيننا؟
لبنان الصغير، المثقل بأزماته وانقساماته وديونه ومؤسساته المتعبة، لا يستطيع أن ينتظر أن تأتيه وصفة السلام من الخارج.
نحن بحاجة أولًا إلى سلام داخلي بين اللبنانيين واللبنانيات.
سلام لا يعني أن نتفق على كل شيء، بل أن نتعلم كيف نختلف من دون أن نلغي بعضنا.
أن أرى في الآخر مواطنًا قبل أن أسأله عن طائفته. أن أختلف معه سياسيًا من دون أن أعتبره عدوًا. أن أتوقف عن توريث أبنائي أحقادي ومخاوفي. أن نعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة، وبين المواطن والمواطن، وبين المناطق والطوائف والأجيال.
نبدأ بالسلام مع أنفسنا. ثم مع أهلنا. ثم مع جارنا في البناية. ثم مع المختلف عنا في الحي والمنطقة والوطن. ثم مع إخوتنا الذين نتشارك معهم اللغة والتاريخ والتراث والمصير.
السلام لا يبدأ من طاولة المفاوضات فقط. يبدأ من البيت، والمدرسة، والشارع، ومن الطريقة التي ننظر بها إلى بعضنا البعض.
وعندما نبني مجتمعًا متماسكًا من الداخل، تصبح قدرتنا أكبر على حماية وطننا وهويتنا وسيادتنا وحقوقنا.
أنا أريد السلام.
لكنني لا أريد سلامًا يُجمّل الظلم.
أريد سلامًا يحمي الإنسان لا المصالح فقط. سلامًا لا يفرّق بين دم ودم. سلامًا لا يحتاج فيه الضعيف إلى أن يكون قويًا كي يُعترف بإنسانيته. سلامًا تكون فيه العدالة أساس الاستقرار، والكرامة أساس المصالحة، والحقوق أساس أي اتفاق.
وفي لبنان تحديدًا، أتمنى في هذا اليوم أن نتوقف قليلًا عن انتظار السلام من الآخرين، وأن نبدأ ببنائه نحن، بين بعضنا البعض.
فالسلام الذي لا نبنيه في داخل أوطاننا، سيبقى هشًّا مهما كثرت الاتفاقيات من حولنا.
والسلام الذي يقوم على العدالة والكرامة والحقوق، هو وحده السلام القادر على أن يعيش.
السلام يبدأ من الداخل… لكن العدالة هي التي تجعله يدوم.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير