بين أرقام الاستغلال وواقع التعطيل : هل حان الوقت لإنهاء مهزلة سوق المحروقات؟

المواطن اللبناني لا يطلب من الدولة أن تبيع المحروقات بخسارة، ولا يطالب بإلغاء أرباح الشركات المشروعة. إنه يريد شيئاً أبسط، أن يعرف ماذا يدفع، ولماذا يدفع، ولمن تذهب كل ليرة من جيبه.

خاص بوابة بيروت

في رسالتنا المفتوحة السابقة إلى دولة رئيس الحكومة ووزيري الطاقة والاقتصاد، طرحنا سؤالاً واضحاً: لماذا يبقى المواطن اللبناني رهينة سوق محروقات غامض، ينتظر المازوت «بالملعقة»، ويدفع كلفة لا يعرف كيف احتُسبت؟

وطالبنا يومها بخطة واضحة: تقييم شفّاف للمنشآت النفطية الوطنية في طرابلس والزهراني، إشراك القطاع الخاص عبر مناقصات علنية، حماية المنافسة ومنع الاحتكار، وإنشاء مخزون استراتيجي يحمي أمن لبنان الطاقوي.

واليوم، لا بد من الانتقال من السؤال إلى تشريح الفاتورة نفسها.

الأرقام… ومن يدفع؟

تتداول المعطيات المتعلقة بتسعير صفيحة المحروقات أرقاماً تطرح علامات استفهام جدية، منها ضرائب واقتطاعات قد تصل إلى نحو 8.5 دولارات عن كل صفيحة، إضافة إلى هوامش ربح تقارب دولاراً لمحطة المحروقات ودولاراً لشركات الاستيراد والتوزيع، قبل الوصول إلى السعر النهائي للمستهلك.

وهنا السؤال ليس ضد حق الدولة في تحصيل إيراداتها، ولا ضد حق الشركات في تحقيق هامش ربح مشروع.

السؤال هو: ماذا يحصل المواطن فعلياً في المقابل؟

إذا كان المواطن يدفع الضرائب والرسوم وهو يعاني انقطاع الكهرباء، وارتفاع كلفة النقل، وتراجع الخدمات، فأين تذهب هذه الأموال؟ وكيف تُحتسب كل زيادة وكل اقتطاع؟ ومن يراقب سلسلة الاستيراد والتخزين والتوزيع والتسعير من بدايتها حتى وصول الصفيحة إلى المواطن؟

منشآت وطنية معطّلة… وفاتورة لا تتوقف

الأخطر أن أزمة المحروقات لا يمكن فصلها عن مشكلة أكبر: تعطيل أصول ومؤسسات وطنية يفترض أن تكون جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادي والطاقة في لبنان.

من منشآت نفطية ومرافق حيوية إلى قطاعات عامة متعثرة، يدفع المواطن كلفة التعطيل، ثم يدفع مرة أخرى عندما يشتري الخدمة من السوق الخاص.

وهنا لا بد من سؤال الدولة بصراحة

إذا كانت لدينا منشآت وطنية وأصول عامة، فلماذا لا تُفعّل؟ وإذا كان تشغيلها غير مجدٍ، فأين الدراسات والأرقام التي تثبت ذلك؟ وإذا كان القطاع الخاص هو الحل، فلماذا لا تُطرح الشراكة معه بشفافية ومناقصات تنافسية؟

أما الحديث عن الهدر في الوظائف والإيجارات والأصول العامة غير المستثمرة، فلا يجوز أن يبقى مجرد أرقام تتكرر في الإعلام. المطلوب تدقيق ومحاسبة وقرارات.

المواطن لا يريد تبريرات… يريد فاتورة مفهومة

المواطن اللبناني لا يطلب من الدولة أن تبيع المحروقات بخسارة، ولا يطالب بإلغاء أرباح الشركات المشروعة.

إنه يريد شيئاً أبسط: أن يعرف ماذا يدفع، ولماذا يدفع، ولمن تذهب كل ليرة من جيبه.

ويريد سوقاً حقيقية تقوم على المنافسة، لا على النفوذ؛ وعلى الشفافية، لا على الغموض؛ وعلى الأمن الطاقوي، لا على انتظار المازوت «بالقطّارة».

لقد آن الأوان لأن تتعامل الدولة مع المحروقات باعتبارها أمناً اقتصادياً ووطنياً، لا مجرد جدول أسعار يُعدّل من أسبوع إلى آخر.

والحل يبدأ من كشف الأرقام كاملة، وتدقيق كلفة الاستيراد والتخزين والتوزيع، وتفعيل المنشآت الوطنية حيث يكون ذلك مجدياً، وفتح الباب أمام القطاع الخاص ضمن قواعد واضحة ومناقصات شفافة، وبناء مخزون استراتيجي يحمي البلد من الأزمات.

فالمواطن لا يريد معجزة… يريد دولة تعرف أين تذهب أمواله، ولماذا يدفع مرتين: مرة من جيبه، ومرة من المال العام.

وهنا يبقى السؤال برسم الحكومة والوزارات المختصة: هل حان الوقت لإنهاء مهزلة سوق المحروقات، ووضع هذا الملف على طاولة الشفافية والمحاسبة، قبل أن يدفع المواطن ثمن التعطيل والاستغلال مرة ثالثة؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك