هل سيبدّل الحدث الأبرز الأولويّات؟

هذا يؤكد حتمًا أن الرد العقابي قادم، ولبنان هو الخاصرة الأضعف، وقد يعني ذلك أن مرحلة القضم قد انتهت، وانتقلنا في لبنان إلى مرحلة الحسم، ولا سيما بعد التهديدات الأخيرة التي أطلقها نعيم قاسم في الذكرى الثانية لرحيل خلفه. زد على ذلك، استمرار الدّولة في قصورها التنفيذي لقراراتها السياسيّة التي لا زالت تحاكَم على قاعدة حُسن النّوايا التي تعتبر في هذه المرحلة شيكًا بلا رصيد تنفيذيٍّ، لا يمكن صرفه...

الحدث الأبرز كان «فلاي دبي»، ولا يمكن العبور فوق هذا الحدث من دون البحث في ما سيتركه من تداعيات. نتنياهو بدا حازمًا في توجيهاته إلى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وهذا يعني عمليًّا أن العقاب قادم لا محالة. ذلك كلّه على وقع استمرار التصعيد الميداني جنوبًا، وهذا يؤشر إلى أن الساحة اللبنانيّة لن تكون بأي منأى عن حسابات الرد.

مما لا شك فيه أن طريقة القضم التي يعتمدها الإسرائيلي في الجنوب تبدو كأنها استعداد لمرحلة ما بعد الانتخابات الإسرائيلية. لكن هذا المستجدّ الذي حصل قد يبدّل من الاستراتيجية الإسرائيلية، لأن هذا الحدث، إن لم يتم الردّ عليه، سينعكس سلبًا على الواقع الانتخابي الذي يقوده نتنياهو، وهذا ما سيستثمره خصمه غابي أيزنكوت، فيظهر نتنياهو بموقع العاجز والضعيف.

فهذا يؤكد حتمًا أن الرد العقابي قادم، ولبنان هو الخاصرة الأضعف، وقد يعني ذلك أن مرحلة القضم قد انتهت، وانتقلنا في لبنان إلى مرحلة الحسم، ولا سيما بعد التهديدات الأخيرة التي أطلقها قاسم في الذكرى الثانية لرحيل خلفه. زد على ذلك، استمرار الدّولة في قصورها التنفيذي لقراراتها السياسيّة التي لا زالت تحاكَم على قاعدة حُسن النّوايا التي تعتبر في هذه المرحلة شيكًا بلا رصيد تنفيذيٍّ، لا يمكن صرفه.

أمام هذه الوقائع، نحن كلبنانيين لسنا مخوّلين مساءلة نتنياهو والبحث في نواياه، بل واجبنا في هذه الحالة مساءلة الدولة اللبنانية بجميع أركانها، الذين يخاطبون اليوم مركز القرار العالمي. ومن حقنا المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي مع جدولة زمنية، لكن من واجبنا قبل ذلك أن نكون دولة سيدة. وهذا يحتّم علينا أن نقدم للمجتمع الدولي، ثانيًا، وللبنانيين، أولًا، وجود الدولة. وهذا لا يتمّ إلا بنزع سلاح حزب الله وكل سلاح غير شرعي، ومن دون جدول زمني، لأن المسألة قد حسمها الزمن منذ السابع من آب في العام الماضي.

فالإسرائيلي يراكم أوراق قوته الدبلوماسية على حساب فشل لبنان في استعادة سيادته ميدانيًا، إضافة إلى نجاحه في فرض أمر واقع ميداني متقدم، وهذا سيشكّل عقبة جديدة في مستقبل المفاوضات السياسيّة. ولا سيّما بعدما صدر القرار باستئناف المفاوضات العسكرية في تامبا بين 20 و22 تشرين الأول، أي قبل الانتخابات الإسرائيلية مباشرة، برئاسة قائد القيادة المركزية الأميركية “CENTCOM” الأدميرال براد كوبر، يعني أنّ المسار الدبلوماسي لم يُقفل، لكنه يدخل مرحلة شديدة الحساسية، حيث سيكون التفاوض قائمًا بالتوازي مع واقع ميداني يتغيّر بسرعة ومع استحقاق إسرائيلي لا يمكن فصله عن الحسابات الأمنية والسياسية في تل أبيب.

يبدو من هذه المسارات كلّها أنّ الدبلوماسية اللبنانية قد عادت خائبة من نيويورك لتلقى واقعًا ميدانيًا متهالكًا، في دولة تتفكك اقتصاديًا، ليصبح السؤال: أيّ سبب سيؤدي إلى الانهيار أولًا؟ أم أن هذه الأسباب مجتمعة ستشكّل ضربة قاضية لما تبقى من فرص وجود الدولة اللبنانية؟ فلا يستطيع أي حكم في أي بلد الاستمرار وهو في حالة تهالك كياني. ولا يمكن الاستمرار بالخطيئة نفسها بعد اختبارها لمدة قرن ونيف، كما لا يمكن استعمال الأدوات نفسها لإنتاج نتائج مختلفة؛ فهذا ينافي أدنى قواعد المنطق.

وتكلفة البقاء في حالة الحرب هذه لن تقتصر على الأضرار البشرية والمادية والاقتصادية وتداعياتها النفسية والاجتماعية. وهنا تكتسب هذه المعطيات الإضافية معناها الحقيقي ضمن هذا المشهد التراجيدي. وفي المقابل، يأتي اجتماع مجلس الوزراء لمكافحة الغلاء، في لحظة يتزامن فيها الضغط الأمني والعسكري مع ضغط اقتصادي واجتماعي متزايد، بما يكشف حجم التحدي الذي تواجهه الدولة: مطلوب منها أن تدير مفاوضات على حدودها، وتستعيد سيادتها، وتمنع الانهيار الاقتصادي، في وقت تتآكل فيه قدرتها على الحركة تحت وطأة الوقائع المتسارعة.

ومن هنا، لا يعود السؤال فقط عن قدرة لبنان على التفاوض، بل عن قدرته على البقاء طرفًا فاعلًا في التفاوض قبل أن تفرض عليه التطورات الميدانية والاقتصادية شروطًا جديدة نتيجة تبدّل الأولويّات بسبب المستجدّات.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك