من طائرة فلاي دبي إلى باب المندب : هل كانت تبوك شرارة إنهاء الحوثي؟
من حادثة هبوط اضطراري إلى معركة على باب المندب… كيف تتقاطع السعودية و إسرائيل و إيران في لحظة قد تعيد رسم خريطة النفوذ من اليمن إلى لبنان؟
خاص بوابة بيروت
لم تعد الحرب في اليمن مجرد حرب طويلة بين السعودية والحوثيين. ما يجري اليوم يبدو أقرب إلى فصل جديد في صراع إقليمي أوسع، تتداخل فيه حسابات السعودية وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة، من باب المندب والبحر الأحمر وصولًا إلى الخليج ولبنان.
والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا الآن؟ وهل يمكن أن تكون مرحلة إنهاء القدرة العسكرية للحوثيين قد بدأت فعلًا؟
قد تبدو حادثة هبوط طائرة فلاي دبي المتجهة إلى إسرائيل في تبوك مجرد حادث طيران اضطراري، لكنها وقعت في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. ومن هنا اكتسبت الحادثة أهمية سياسية تتجاوز تفاصيلها التقنية، خصوصًا مع وجود ركاب إسرائيليين على متن الطائرة وهبوطها داخل الأراضي السعودية.
لا يمكن القول إن هذه الحادثة كانت وحدها سببًا في التحول نحو مواجهة الحوثيين، ولا توجد أدلة علنية كافية لإثبات وجود تفاهم سعودي-إسرائيلي مباشر انطلق منها. لكن يمكن النظر إليها كإشارة جاءت في توقيت تتقاطع فيه المصالح الأمنية بين أطراف كانت تقف، حتى وقت قريب، على مسافات سياسية مختلفة.
باب المندب هو العنوان الأهم
إذا كانت هناك نقطة يمكن أن تفسر التصعيد الحالي، فهي باب المندب.
فالسيطرة على هذا الممر أو القدرة على تهديد الملاحة فيه تمنح الحوثيين ورقة تتجاوز حدود اليمن. وأي اضطراب مستمر في حركة السفن يرفع تكاليف التأمين والشحن والطاقة، ويجبر شركات النقل على البحث عن طرق أطول وأكثر كلفة.
وتزداد حساسية المسألة مع دخول موسم الشتاء، خصوصًا بالنسبة إلى أوروبا، حيث يمكن لأي ارتفاع إضافي في تكاليف الطاقة والنقل أن ينعكس على التدفئة والكهرباء وأسعار السلع.
لهذا لم يعد أمن باب المندب قضية يمنية أو سعودية فقط. لقد أصبح جزءًا من أمن التجارة والطاقة العالميين.
ومن هنا يمكن فهم سبب تزايد الاهتمام الدولي بإبعاد الحوثيين عن القدرة على استخدام الساحل الغربي وباب المندب كورقة ضغط استراتيجية.
لماذا بعد سنوات من الحرب؟
الحرب اليمنية استمرت سنوات، لكنها لم تنتج نهاية واضحة للصراع.
فالرياض لم تحصل على الاستقرار الكامل الذي كانت تبحث عنه على حدودها الجنوبية، والحوثيون احتفظوا بقدرتهم العسكرية والسياسية، بينما تحولت الحرب تدريجيًا إلى واحدة من أطول أزمات المنطقة.
لكن الظروف الإقليمية تغيرت.
لم يعد السؤال فقط كيف يمكن احتواء الحوثيين، بل أصبح: هل يمكن ترك جماعة تمتلك القدرة على تهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم من دون تغيير موازين القوة حولها؟
وهنا يبدو أن الحسابات بدأت تتحول من إدارة الصراع إلى محاولة تغيير قواعده.
إيران هي المعادلة الأكبر
وراء المشهد اليمني تقف إيران، التي بنت خلال السنوات الماضية شبكة نفوذ واسعة تمتد من العراق إلى اليمن ولبنان.
والحوثيون يمثلون بالنسبة إلى طهران ورقة مهمة في البحر الأحمر والخليج. ولذلك فإن تراجع قدراتهم العسكرية لن يكون مجرد خسارة ميدانية في اليمن، بل قد يعني تراجع إحدى أدوات الضغط الإيرانية على خصومها.
وهذا هو البعد الذي يجعل المعركة أكثر خطورة.
فإذا أصبحت إيران أمام واقع جديد في اليمن، بالتزامن مع الضغوط التي تواجهها في ساحات أخرى، فقد تضطر إلى إعادة توزيع مواردها وحساباتها بين العراق واليمن ولبنان وسائر مناطق نفوذها.
وبذلك تصبح معركة الحوثيين جزءًا من سؤال أكبر: هل بدأت مرحلة تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة؟
ومن اليمن… إلى لبنان
هنا تبرز الجبهة اللبنانية.
لا يعني تراجع الحوثيين تلقائيًا أن الدور الإيراني في لبنان سينتهي، ولا أن مواجهة عسكرية واسعة مع حزب الله أصبحت حتمية. فالساحة اللبنانية لها ظروفها وتعقيداتها الخاصة.
لكن أي تراجع كبير في قدرة إيران على دعم حلفائها أو استخدامهم كأوراق ضغط إقليمية سيؤثر حتمًا في حسابات حزب الله.
فالحزب ليس معزولًا عن البيئة الإقليمية التي يتحرك ضمنها، وأي تغيير في ميزان القوى بين إيران وخصومها يمكن أن ينعكس على مستوى الدعم والردع والقدرة على المناورة.
ولهذا فإن ما يجري في اليمن يستحق أن يُقرأ بعين تتجه أيضًا نحو لبنان.
فإذا كان الهدف هو تقليص شبكة النفوذ الإيرانية، فإن الحوثيين قد يكونون إحدى حلقاتها الأولى، بينما قد تكون الجبهة اللبنانية إحدى أكثر الحلقات حساسية في المرحلة التالية.
أين تقع إسرائيل في هذه المعادلة؟
إسرائيل تنظر إلى الحوثيين منذ سنوات باعتبارهم جزءًا من منظومة التهديد المرتبطة بإيران، خصوصًا بعد انتقال تأثير الجماعة من الداخل اليمني إلى البحر الأحمر والملاحة الدولية.
أما السعودية، فمصلحتها الأساسية تتمثل في حماية حدودها وأمنها ومنع عودة اليمن إلى منصة تهديد مستمرة لأراضيها ومصالحها.
وهنا تظهر مساحة واسعة من المصالح المشتركة، حتى من دون الحاجة إلى افتراض تحالف معلن.
أما حادثة فلاي دبي في تبوك، فقد جاءت في توقيت يمكن أن تصبح فيه مثل هذه الأحداث ذات دلالة سياسية أكبر من حجمها المباشر.
فهبوط طائرة تقل إسرائيليين في الأراضي السعودية لا يعني بحد ذاته تحولًا استراتيجيًا، لكنه يكشف حجم التشابك الذي بدأت تفرضه الظروف الأمنية الجديدة على المنطقة.
هل كانت تبوك شرارة؟
ربما تكون الإجابة الأكثر دقة: لا نملك ما يكفي للقول إن تبوك كانت سببًا مباشرًا في قرار إنهاء الحوثيين، لكنها قد تكون جزءًا من سياق أوسع يتشكل فيه تقارب في المصالح بين أطراف عدة.
وهذا فرق مهم.
فالسياسة الإقليمية لا تتحرك عادة بسبب حادث واحد، وإنما نتيجة تراكم أحداث وضغوط ومصالح.
وباب المندب، والتهديد الحوثي، وأمن السعودية، وأمن إسرائيل، والضغط على إيران، كلها ملفات كانت تتطور بالتوازي.
وحادثة الطائرة جاءت في لحظة أصبحت فيها هذه الملفات أكثر ترابطًا.
هل نحن أمام نهاية الحوثي؟
من المبكر القول إن نهاية الحوثيين أصبحت أمرًا محسومًا.
فالواقع العسكري والسياسي أكثر تعقيدًا من ذلك، والحوثيون ما زالوا يمتلكون قدرات عسكرية وشبكة نفوذ داخل اليمن.
لكن ما يمكن قوله إن الهدف قد يكون تغير.
فبعد سنوات من محاولة احتواء الحوثيين، قد تكون الأولوية الآن هي حرمانهم من القدرة على تهديد الملاحة الدولية، وتقليص نفوذهم العسكري، وإعادة رسم المعادلة على الساحل الغربي.
وإذا نجحت هذه الاستراتيجية، فلن تكون آثارها محصورة داخل اليمن.
السؤال الذي ينتظر المنطقة
المشهد الحالي يضع المنطقة أمام معادلة جديدة.
إذا تراجع الحوثيون، فإن إيران ستخسر ورقة مهمة في البحر الأحمر. وإذا ترافق ذلك مع ضغوط متزايدة على حلفائها في العراق ولبنان، فقد تبدأ مرحلة مختلفة في الصراع الإقليمي.
لكن السؤال الأصعب هو: هل يؤدي الضغط على الحوثيين إلى خفض التصعيد، أم إلى انتقاله من جبهة إلى أخرى؟
وهنا تكمن خطورة المرحلة.
فإيران قد تحاول الحفاظ على نفوذها عبر إعادة توزيع أوراقها، بينما قد ترى إسرائيل والولايات المتحدة والسعودية أن اللحظة مناسبة لإعادة صياغة قواعد الردع في المنطقة.
ومن ثم، فإن ما يجري في اليمن قد لا يكون نهاية حرب فحسب، بل بداية مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ.
من تبوك إلى باب المندب، ومن باب المندب إلى طهران وبيروت، تتصل خيوط المشهد أكثر مما يبدو للوهلة الأولى.
وقد يكون الحوثي هو الهدف المباشر في هذه المرحلة، لكن المعركة الأوسع تبدو مرتبطة بمستقبل النفوذ الإيراني كله.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل كانت طائرة فلاي دبي التي هبطت اضطراريًا في تبوك مجرد حادث عابر، أم أنها جاءت في اللحظة التي بدأت فيها المنطقة تتحرك نحو معادلة جديدة؟
ربما لن تظهر الإجابة كاملة إلا عندما تتضح نتائج المعركة في باب المندب، وما إذا كانت ستبقى محصورة في اليمن، أم أن صداها سيمتد إلى الجبهة اللبنانية وسائر ساحات الصراع في المنطقة.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير