«حزب الله» يسلّم إشعار الحرب المقبلة

«عن أناسٍ كانوا أشرفَ الناس...»

خاص بوابة بيروت

دخلت امرأة جنوبية إلى بيتها الذي لم يعد بيتًا، وأغلقت الباب خلفها بحذر، كأنها تخشى أن توقظ ما تبقّى من ذاكرته.

كانت تحمل ورقة مطوية بعناية. وضعتها على الطاولة التي نجت من القصف، ثم مرّرت كفّها فوقها، كما لو أنها تتحسّس وجهًا غاب طويلًا.

قالت بصوت خافت: «دفعة التعويضات وصلت».

لم يكن في الغرفة ما يستحق الابتسام، ومع ذلك ابتسمت.

كان المبلغ كبيرًا إذا قيس بما بقي في جيبها، وصغيرًا إلى حدّ السخرية إذا قيس بما سقط من عمرها، وبما انكسر في بيتها، وبما تفرّق من العائلة، وبما لن يعود مهما ارتفعت قيمة «الرشوة».

فلم تعد الأرقام قادرة على التمييز بين خسارة وأخرى.

من يشتري وجع الجنوبيين؟

تنهدت بعمق، وكأنها لا تزال ترى أمّها جالسة في إحدى زوايا البيت، ثم أطلقت فجأة ضحكة قصيرة، لم يكن فيها شيء من الفرح.

توقّفت عن الكلام، فالأشياء الصغيرة كانت أكثر قسوة من الركام. لم تكن تتذكّر البيت بوصفه جدرانًا وسقفًا، بل بوصفه أصواتًا وروائح ومواعيد يومية، أشياء لم يخطر لها يومًا أن تحتاج إلى تعويض عنها.

في الخارج، كانت الجرافة ترفع ما تبقّى من منازل الأحبة في الجهة المقابلة. وقفت تراقب المشهد بصمت، لم تسأل متى يمكن أن تعود تلك الأيام، ولا كيف يمكن أن تُجمع العائلة من جديد، ولا من سيعيد إلى الحيّ صوته القديم.

عادت إلى الطاولة، وسحبت الورقة نحوها. كان كل شيء معلّقًا بها: إيجار الشهر المقبل، وأثاث بديل، ودواء، ومدرسة، وربما قرار العودة أو الرحيل. لم يعد المستقبل مشروعًا طويلًا، بل انتظارًا متقطّعًا لدفعة جديدة، وموعد جديد، ووعد «كاذب» بالنصر.

في مكان آخر، كان بعضهم يتحدّث عن «أشرف الناس»، وعن الوفاء الذي لا يتزعزع، وعن جمهور يعرف طريقه إلى صناديق الاقتراع كما يعرف طريقه إلى ساحات الهتاف.

لكن المرأة لم تكن تفكّر في الشعارات. كانت تفكّر في الستائر والأثاث، وفي الأخوات اللواتي صرن بعيدات، وفي البيوت التي تحوّلت إلى صور معلّقة في ذاكرة لا تستطيع دفع ثمن استعادتها.

ومع ذلك، كان هناك من يراهن على أن الورقة تكفي.

هل تكفي دفعة مالية لإعادة الجنوبيين إلى قفص الطاعة؟

أن الدفعة، مهما كانت ضئيلة أمام حجم الخسارة، تستطيع أن تردّ الناس إلى الصفوف، وأن تحوّل وجعهم إلى تصفيق، وحاجتهم إلى هتاف، وانتظارهم إلى أصوات انتخابية جاهزة.

كأن الإنسان، حين يخسر بيته ومستقبله، يفقد حقّه في السؤال أيضًا.

كأن الجائع لا يعود مواطنًا، بل جمهورًا ينبغي أن يُدار.

وكأن من عاشوا يومًا أحلامًا واسعة، وصدّقوا أنهم أصحاب قضية ومصير، يمكن أن يتحوّلوا إلى روبوتات بشرية تكرّر ما يُطلب منها، لا لأنها اقتنعت، بل لأنها لم تعد تملك ترف الاعتراض.

هكذا تتبدّل الحكاية: من ناس أوهموا بأنهم يصنعون التاريخ، إلى ناس ينتظرون ورقة تحدّد كيف سيمضون شهرهم؛ من أصحاب أحلام إلى أسرى دفعة؛ من مواطنين لهم رأي وكرامة إلى حشود يُراد لها أن تصفّق في الوقت المناسب، وتهتف في المكان المناسب، وتنتخب كما لو أن الخراب لم يكن يومًا جزءًا من حياتها.

لكن المرأة لم تصفّق، ولم تهتف، ولم ترفع الورقة فوق رأسها.

اكتفت بأن تنظر إليها طويلًا، ثم طوتها من جديد.

ورقة التعويض الأخيرة… أم إشعار الحرب القادمة؟

كانت تعرف أن التعويض قد يساعدها على دفع الإيجار، وربما شراء نافذة، وربما ترميم جزء من حياتها. لكنه لن يعيد أمّها إلى الحياة، ولن يعيد جيرانها إلى منازلهم، ولن يعيد الأرض التي احتُلّت، ولن يجيب عن السؤال الذي ظلّ يطاردها وهي تراقب الجرافة: من الذي يملك حقّ تحويل خسارتنا إلى ولاء، ووجعنا إلى تصفيق، وحاجتنا إلى صمت؟

ابتسمت مرة أخرى، لا لأن الورقة أعادت إليها شيئًا، بل لأنها أدركت أخيرًا أن ما بقي لها، بعد كل هذا الركام، هو حقّها في ألّا تكون ورقة التعويض آخر صوت في حكايتها.

وعرفت أنها استلمت للتو إشعار الحرب القادمة.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك