محمد علي شمس الدين : أسلوب بسيط يستوعب أساطير الألم الإنساني

بقلم عبداللطيف الوراري

رحل فجر الأحد الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين، عن عمر ناهز الـ 80 عاماً، بعد وعكة صحية ألمت به في الأيام الأخيرة.

وثبت خبر الرحيل بعد أن نعته ابنته رباب على صفحته في الفيسبوك. وبرحيله تفتقد القصيدة العربية المعاصرة واحدا من أقوى أصواتها وأخصبها جمالا وتجديدا في العقود الأربعة الأخيرة.

ولد الراحل (1942- 2022) في جبل عامل جنوب لبنان، ونشأ في عربصاليم، بعدما انتقل إليها رفقة أسرته من قرية بيت ياحون في بنت جبيل.

درس شمس الدين في بيروت وحاز إجازة الحقوق في الجامعة اللبنانية عام 1963، ثم شهادة دكتوراه دولة في التاريخ في الجامعة نفسها.

ثراء التجربة

ارتبط اسمه بشعراء الجنوب اللبناني من أمثال : حسن عبد الله، وشوقي بزيع، وإلياس لحود، وجودت فخر الدين، وقد عبّروا جميعهم عن مأساة الجنوب في مواجهة العدوان الإسرائيلي. وخلّد محمد علي شمس الدين أحد عناوين المأساة في قصيدة «إذا عبروا» التي غنّاها أحمد قعبور.

وقد تفرد بينهم بأسلوبه الخاص الذي يمزج بين الغنائي والميتافيزيقي والعرفاني، منفتحا على رموز التاريخ العربي والإسلامي، بوعي نقدي تأملي ولغة بسيطة وطافحة بالصور والمعاني، التي يرفدها من رؤيته الصوفية الشاملة للعالم في كُلّيته واصطخابه، وعابرا بين أشكال الإيقاع المعروفة ( العمودي، التفعيلي، النثري ) بسلاسة كبيرة.

وهو ما يعكس ثراء التجربة الشعرية في مختلف أطوارها المتنوعة، التي كرمتها جائزة العويس عام 2011، كما يعكس وجها مشرقا في خريطة الشعر العربي المعاصر رغم أزمة التلقي التي يعيشها.

صدرت باكورته الشعرية «قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا» عام 1975، ثم تلتها «غيم لأحلام الملك المخلوع» (1977)، و«أناديك يا ملكي وحبيبي» (1979) و«الشوكة البنفسجيّة» (1981) و«طيور إلى الشمس المرة» (1988) و«أما آن للرقص أن ينتهي؟» (1992) و«يحرث في الآبار» (1997) و«منازل النرد» (1999) و«ممالك عالية» (2003) و«شيرازيات» (2005) و«اليأس من الوردة» (2009) و«ينام على الشجر الأخضر الطير» (2012) و «النّازلونَ على الريح» (2013) و «كرسيٌّ على الزبد» (2018) و«للصبابة للبلبل وللملكوت» (2021). كما كتب للأطفال مجموعة شعرية «غنوا غنوا»، وقصصا في «كنز في الصحراء» عام (1983)، وسيرته الذاتية «كتاب الطواف» (1987). وقد ترجمت أشعاره إلى أكثر من لغة، بما فيها الإسبانية والفرنسية والإنكليزية.

شهادات

وقد احتشدت مواقع التواصل الاجتماعي من فيسبوك وتويتر وغيرهما، بأخبار نعيه ومقاطع من شعره وصوره الشخصية، التي يجلل بريق عينيه الزرقاوين، مثلما استذكره أصدقاؤه وقراؤه بتأثر بالغ :

كتب الشاعر شوقي بزيع : «سقط محمد علي شمس الدين. لا كما تسقط الأوراق عن فروع صيفها الآفل، أو كما تسقط فكرة نافلة من عتمة الذاكرة، بل كما تسقط المدن والنيازك وأبطال الملاحم القديمة .ومع أن جسده قد بدأ بخذلانه منذ زمن طويل، إلا أنه بكبريائه المعهودة، لم يسمح للموت بأن يقوده ساعة يشاء الى حتفه النهائي، بل أمسك هو نفسه بزمام المبادرة.

وفي الموعد القياميّ المضروب لسقوط الأبراج، حيث كان قمر الجنوب في ذروة اكتماله، قرر محمد علي أن يعقد مع الموت صفقة بالتراضي، تنازل من خلالها لهذا الأخير عن جسده الترابي، فيما الشعلة التي رفعتها قصائده فوق أعلى القمم، ستظل أبد الدهر، عصية على الانطفاء «.

وكتب الفنان وليد توفيق: «رحل عنا اليوم الشاعر الكبير محمد علي شمس الدين تاركا وراءه إرثا أدبيا وفنيا وثقافيا كبيرا يفخر به لبنان .. «آه زينب» من أجمل ما كتب الشاعر الراحل وهي التي كانت ولا تزال من أجمل ما قدمت من أغنيات في مسيرتي الفنية».

وقال الشاعر موسى حوامدة : «موجع ومربك هذا الرحيل، فالشاعر العربي محمد علي شمس الدين كان شاعرا وصديقا ومقاوما.

ظل ملتزما بروح المقاومة دون أن يقدمها على حساب الشعرية وجمالية الكتابة وإتقان اللغة العربية، بل التميز في فك أسرارها وإجادة العزف على مفرداتها.. موجع هذا الرحيل يا أبا علي وسط هذه الانهيارات العربية السياسية والثقافية والأخلاقية، وقد بقيت واحدا من ألمع شعراء العربية ومنضاليها وفرسانها وعشاقها».

وكتب الروائي يحيى جابر : «كنا دوما نلتقي ونتحاور وقوفا على رصيف ما في شارع الحمرا.

لم يكن موجودا بيننا كشاعر، نديما في حانة أو مقهى، بل كان شاعرا مشاءً أنيقا بشعره مع بدلة وربطة عنق، وكم كان فصيحا في طرافته ونقده لنا. الموت لم يفارق كل قصائده.

البارحة مات الرصيف ومات شارع الحمرا واليوم مات الشاعر. مثل كبرياء يمشي مرفوع الرأس، ويحاور موته على رصيف» .

وقال الشاعر منصف الوهابي : «ترافقنا منذ سنتين في القاهرة طوال ثلاثة أسابيع، في ضيافة مهرجان الشعر ومعرض الكتاب؛ وخلالها عرفت أكثر المعدن النبيل الذي جبل منه الراحل الكبير».

وكتبت الشاعرة ربيعة جلطي : «شكرا للجنوب اللبناني الذي سقى أرض الشعر العربي والعالمي بجداوله السخية ومنها الصديق العزيز الشاعر محمد علي شمس الدين. كان مبدعا مبهرا ومحدثا حكيما.

زهو القراءات الشعرية أينما حل وقرأ اليوم يحق للشعر وعشاقه ومريديه أن يحزنوا لرحيل الشاعر محمد علي شمس الدين، لكن إرثه الشعري المبهر كفيل بأن يُسعد الأجيال القادمة ويُدهشها ويجمّل أذواقها لعقود كثيرة».

اخترنا لك