
كاتبة وناشطة سياسية
حين يصبح السلام تهمة : كيف احتلّت الميليشيات وعي اللبنانيين قبل دولتهم؟
خاص بوابة بيروت
على مدى عقود، لم تُحكم شعوب المنطقة فقط بالسلاح، بل أيضًا بالعقول.
لم تكن الميليشيات، ولا الأنظمة التي رعتها أو استفادت منها، بحاجة دائمًا إلى قمع الناس بالقوة وحدها؛ بل نجحت أكثر حين زرعت في وعيهم منظومة كاملة من الخوف، والتخوين، والتقديس السياسي، وربطت بقاءها هي ببقاء “القضية”، وربطت سلاحها هي بـ”الشرف الوطني”، وربطت اعتراض الناس على مشروعها بتهمة جاهزة: العمالة.
في لبنان، كما في دول عربية أخرى، لم يُصنع النفوذ فقط عبر فائض القوة، بل عبر غسيل دماغ جماعي طويل الأمد.
تربّت أجيال كاملة على أن الحرب قدر، وأن السلام شبهة، وأن الحوار مع الخصم خيانة، وأن الدولة ضعيفة بطبيعتها، وأن الميليشيا هي الحامية، وهي الأصدق، وهي الأقدر، وهي التي تفهم “المعركة الكبرى” أكثر من الشعب نفسه.
هكذا، لم تعد البنادق وحدها هي التي تحكم المشهد، بل العقيدة التي تحرس البنادق.
عقيدة تقول للناس: لا تفكّروا، لا تسألوا، لا تناقشوا.
فكل سؤال خيانة، وكل اعتراض سقوط أخلاقي، وكل مطالبة بدولة طبيعية هي ترف لا يليق بـ”زمن المواجهة”.
والأخطر من ذلك، أن هذه المنظومة لم تكتفِ بتحويل السلاح إلى أمر واقع، بل حوّلت الخوف إلى ثقافة، والحرب إلى هوية، والعداء المفتوح إلى جزء من التربية السياسية والاجتماعية.
فصار كثيرون يرفضون حتى مجرد التفكير بالسلام، لا لأنهم درسوا نتائجه أو شروطه أو مخاطره، بل لأنهم بُرمجوا منذ الطفولة على أن السلام نفسه خيانة، وأن من يطالب بأن يعيش وطنه بكرامة وسيادة وحدود مستقرة، لا بد أنه باع نفسه للعدو.
ومن هنا، لا يعود مستغربًا أن نرى اليوم هذا الكمّ من الهلع والغضب والتخوين في لبنان، مع كل حديث عن مفاوضات مباشرة أو مسار سياسي علني بين الدولة اللبنانية وإسرائيل.
فالصدمة الحقيقية عند البعض ليست في الحدث نفسه، بل في انهيار الرواية القديمة:
الرواية التي أقنعت الناس لسنوات أن الحرب أبدية، وأن لبنان يجب أن يبقى ساحة، وأن الدولة لا يحق لها أن تستعيد قرارها إذا تعارض ذلك مع وظيفة الميليشيا.
على مدى عقود، تربّت أجيال كاملة في منطقتنا أيضًا على شعارات كبيرة، رنّانة، ومقدّسة في الوعي العام: “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”، “ورح نصلّي بالقدس”،
وشعارات “الممانعة” و”الصمود” و”التصدي” و”تحرير فلسطين” التي تحوّلت مع الوقت، في كثير من الحالات، من مشاريع قومية أو عناوين سيادية، إلى أدوات لإسكات الناس، وقمع المجتمعات، وتخوين كل من يجرؤ على السؤال.
لم يكن أحد يجرؤ أن يقول كلمة.
لا عن السلطة، ولا عن الحزب، ولا عن الدولة التي تحوّلت إلى نظام مغلق، يحتكر الوطنية، ويحتكر تعريف العدو، ويحتكر حتى معنى المقاومة.
وهنا يفرض السؤال نفسه في لبنان أيضًا: كم من الأفكار التي زُرعت في وعينا الجماعي كانت جزءًا من منظومة تخويف، لا من منظومة حماية؟
والأيام، ومع انطلاق اللقاءات التمهيدية في واشنطن، ثم مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى وقف إطلاق نار لمدة عشرة أيام بين لبنان وإسرائيل، والحديث عن نيّته دعوة الرئيس اللبناني جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض ضمن مسار يراد له أن يتطور نحو تهدئة أوسع أو سلام دائم، انفجرت السوشيال ميديا اللبنانية بحملات تخوين واتهامات وشتائم، وكأن مجرد الجلوس إلى طاولة تفاوض هو سقوط أخلاقي أو “خيانة عظمى”.
لكن هنا، يجب أن نتوقف قليلًا ونسأل: أليس التفاوض العلني بين الدول هو جوهر العمل الدبلوماسي؟
أليست السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض، حين تمثل الدولة اللبنانية في مسار تفاوضي معلن، تقوم بواجبها الرسمي باسم الجمهورية اللبنانية، لا بعمل سري “تحت الطاولة”؟
أليس من المفارقة أن من مارسوا الاتصالات غير المباشرة، والتفاهمات الرمادية، والتسويات المقنّعة، يريدون اليوم أن يقدّموا أنفسهم أوصياء على الوطنية؟
خصوصًا أن اللقاء الذي استضافته واشنطن هذا الأسبوع بين السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض والسفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، كان لقاءً تمهيديًا ولوجستيًا معلنًا، لا اتفاقًا نهائيًا ولا اعترافًا سياسيًا مكتملًا، بل بداية مسار قالت عنه واشنطن نفسها إنه “عملية لا حدثًا واحدًا”. كما وصفت السفيرة ندى حمادة معوض اللقاء بأنه “بنّاء”، فيما انتهى الاجتماع من دون إعلان اتفاق نهائي على وقف النار في حينه.
وإذا كان رئيس الجمهورية أو الحكومة أو الدبلوماسية اللبنانية يتحركون ضمن قرار الدولة ومؤسساتها، فهذا ليس تخابرًا.
هذا عمل دولة.
أما التخابر الحقيقي، فهو حين تُختطف الدولة لمصلحة مشاريع إقليمية، وحين يُطلب من اللبناني أن يموت ويهجّر ويُدمّر بيته ومصدر رزقه، لأن هناك من قرر أن لبنان يجب أن يبقى ساحة مفتوحة لحروب الآخرين.
لقد تعبت الناس.
وتعب لبنان أكثر.
تعب من تحويل أرضه إلى بريد عسكري.
تعب من أن يكون حدوده صندوق رسائل بين العواصم.
تعب من أن يُربّى أولاده على فكرة أن الحرب قدر، وأن العداء الأبدي هو هوية، وأن السلام عار، بينما كل من حوله يفاوض ويعقد التفاهمات ويعيد ترتيب مصالحه.
المشكلة ليست فقط في إسرائيل، ولا فقط في تاريخ الصراع، ولا في الوجع الحقيقي الذي عاشه اللبنانيون والفلسطينيون والعرب.
المشكلة أيضًا في العقلية التي حوّلت هذا الصراع إلى أداة دائمة لإلغاء الدولة.
كل من يطالب اليوم بأن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية وحدها، يُتَّهم.
كل من يقول إن لبنان لا يستطيع أن يبقى رهينة جبهة مفتوحة إلى الأبد، يُخوَّن.
كل من يجرؤ أن يسأل: “ماذا ربحنا من خمسين سنة شعارات؟”، يُصنَّف وكأنه باع البلد.
بينما الحقيقة أبسط بكثير، وأقسى بكثير:
اللبناني لم يعد يحتمل.
لا يحتمل مزيدًا من القبور.
لا يحتمل مزيدًا من التهجير.
لا يحتمل أن يدفع وحده ثمن كل صراع إقليمي.
ولا يحتمل أن يبقى السلام كلمة محرّمة فقط لأن البعض بنى سلطته ونفوذه وثروته وسلاحه على استمرار الحرب.
كل شيء في النهاية يُحلّ بالسياسة.
كل الحروب تنتهي إلى طاولة.
كل الجبهات تُقفل بتفاهم.
وكل الشعارات، مهما علت، تسقط أمام حقيقة واحدة:
الشعوب تريد أن تعيش.
ربما حان الوقت فعلًا لنكسر هذه البرمجة القديمة.
أن نعيد تعريف الوطنية بعيدًا عن التخوين.
أن نفهم أن السلام ليس استسلامًا إذا كان يحفظ السيادة والكرامة والحدود وحق الدولة.
وأن ندرك أن أخطر ما حصل في منطقتنا لم يكن فقط الاحتلال أو الحرب، بل تحويل الحرب إلى ثقافة دائمة، وتحويل الخوف إلى نظام سياسي.
لسنا مضطرين أن نورّث أبناءنا الأحقاد نفسها.
لسنا مضطرين أن نربّي جيلاً جديدًا على أن الحرب هي المصير الوحيد.
ولسنا مضطرين أن يبقى لبنان صندوق بريد للآخرين، فيما شعبه يهاجر، ومؤسساته تنهار، وكرامته تُستنزف كل يوم.
الزمن تغيّر.
والشعوب تغيّرت.
والحقائق التي فُرضت علينا لعقود بدأت تتهاوى.
أما لبنان، فليس مطلوبًا منه أن يكون بطل الشعارات بعد الآن.
المطلوب فقط أن يكون دولة.
دولة تحمي شعبها.
دولة تحتكر قرارها.
دولة لا تسمح لأحد أن يقرّر عنها متى تحارب ومتى تصالح.
ودولة تقول أخيرًا، بوضوح ومن دون خوف:
كفى.
كفى أن يدفع اللبناني ثمن حروب الآخرين على أرضه.
وكفى أن يُخَوَّن كل من يختار السلام طريقًا لإنقاذ الوطن.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير