جمهورية التخوين : كيف يُعاد تشكيل الوعي السياسي في لبنان تحت ضغط السلاح؟

عن إشكالية الاستقرار في ظل بنية سياسية تُنتج الخوف وتُعيد تعريف الوطنية

خاص بوابة بيروت

في البيئات التي يختلط فيها السلاح بالسياسة، لا يكون الصراع على السلطة فقط، بل على تعريف الحقيقة ذاتها.

في السياق اللبناني الراهن، لم يعد الاتهام السياسي يُستخدم ضمن حدوده التقليدية كأداة سجال أو اختلاف، بل بات يأخذ في بعض الأحيان طابعاً بنيوياً أكثر تعقيداً، يُستخدم فيه “التخوين” كأداة لإعادة ضبط المجال العام، وتحديد سقوف النقاش السياسي، وإعادة رسم حدود المقبول والمرفوض في الخطاب العام.

ضمن هذا الإطار، تتبلور ما يمكن تسميته مجازاً بـ“جمهورية التخوين”، حيث لا يُقاس الفعل السياسي بجدواه أو نتائجه فقط، بل أيضاً بدرجة انسجامه مع السرديات السياسية والأمنية السائدة.

ومع مرور الوقت، يتحول النقاش من مستوى السياسات العامة إلى مستوى “شرعية المتكلم” ذاته، وما إذا كان يحق له أصلاً طرح السؤال أو الاعتراض.

التخوين كأداة لإدارة المجال العام

لا يظهر التخوين في هذا السياق كحالة فردية أو انفعالية، بل كجزء من منظومة أوسع لإدارة التعدد السياسي والاجتماعي. تتداخل في هذه المنظومة أدوات إعلامية وخطابية ورمزية، تُسهم في إعادة تعريف مفاهيم مثل “الوطنية” و“الخصومة” و“التهديد”.

في هذه الحالة، لا يعود الخلاف حول السياسات خياراً ديمقراطياً طبيعياً، بل يُنظر إليه أحياناً بوصفه انحرافاً عن “السردية الوطنية” كما يتم تعريفها من قبل القوى الأكثر نفوذاً. وبهذا المعنى، يُصبح المجال العام أقل قدرة على استيعاب التعدد، وأكثر ميلاً نحو الاستقطاب الحاد.

من النقاش السياسي إلى إعادة تعريف الانتماء

من أبرز التحولات التي يمكن رصدها في هذا السياق، انتقال النقاش من مستوى “السياسة” إلى مستوى “الانتماء”. فبدلاً من مناقشة الخيارات الاقتصادية أو الإصلاحية أو السيادية ضمن إطارها المؤسساتي، يتم أحياناً تحويلها إلى اختبارات ولاء.

في هذا المناخ، يمكن أن يُقرأ الاختلاف في مقاربات قضايا أساسية. مثل السيادة، أو الحياد، أو إدارة الأزمات الداخلية. على أنه خروج عن الإجماع، وليس كجزء طبيعي من التعدد السياسي داخل نظام ديمقراطي تعددي.

هذا التحول ينعكس مباشرة على جودة الحياة السياسية، إذ يُضعف إمكان تشكّل معارضة سياسية طبيعية، ويحدّ من قدرة النقاش العام على إنتاج بدائل واقعية قابلة للتطبيق.

الاستقرار كإشكالية سياسية لا كخطر وجودي

تطرح مسألة الاستقرار في لبنان إشكالية مركّبة، إذ لا يُنظر إليه دائماً كهدف جامع، بل أحياناً كتحول سياسي قد يعيد توزيع موازين القوة داخل النظام.

في التحليل السياسي المقارن، يرتبط الاستقرار عادة بتعزيز مؤسسات الدولة، وتوسيع نطاق المحاسبة، وتوحيد مرجعية القرار الأمني والعسكري ضمن المؤسسات الدستورية. غير أن أي انتقال في هذا الاتجاه يفرض بالضرورة إعادة تعريف العلاقة بين القوى السياسية القائمة والدولة.

من هنا، لا يعود النقاش حول الاستقرار نقاشاً تقنياً أو إدارياً فقط، بل يصبح جزءاً من جدل أوسع حول شكل الدولة نفسها، وحدود سلطتها، ومصادر القرار فيها.

الدولة بين منطق المؤسسات ومنطق الاستثناء

في النماذج المستقرة من الدول الحديثة، تُدار السلطة عبر مؤسسات واضحة تخضع للمساءلة القانونية والسياسية. أما في البيئات التي تتعدد فيها مراكز القوة غير الرسمية، فينشأ نوع من “التوازي المؤسسي” الذي يخلق تعقيداً في عملية صنع القرار.

هذا التوازي لا يُنتج بالضرورة صداماً دائماً، لكنه يفرض حالة دائمة من التوازنات الدقيقة، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية والأمنية والاجتماعية في آن واحد، ما يجعل مسار بناء الدولة أكثر تعقيداً وأبطأ إيقاعاً.

العقل العام كمساحة نزاع غير مرئية

بعيداً عن البنى المؤسسية، يدور جزء أساسي من الصراع في المجال الرمزي: أي في طريقة تشكيل الرأي العام، وتحديد ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله.

في هذا السياق، يصبح “العقل العام” ساحة تنازع هادئة ظاهرياً لكنها شديدة التأثير، حيث تتنافس السرديات المختلفة على تعريف الواقع السياسي، وعلى صياغة أولويات المجتمع، وعلى تحديد مفهوم الخطر ومصادره.

إن أخطر ما في هذا النوع من الصراعات أنه لا يظهر دائماً في شكل مواجهة مباشرة، بل في شكل تراكم تدريجي يعيد تشكيل الوعي العام عبر الزمن.

بين الدولة والخوف

في نهاية المطاف، لا يتعلق النقاش فقط بتوازنات سياسية آنية، بل بطبيعة العقد الاجتماعي نفسه: هل يُبنى على مؤسسات قادرة على احتكار القرار العام ضمن إطار الدولة، أم على توازنات متعددة المصادر تُدار خارج هذا الإطار؟

ما هو مؤكد أن المجتمعات التي تطيل أمد إدارة الخلاف عبر أدوات التخوين وإقصاء الاختلاف، تجد نفسها أمام تحديات متزايدة في بناء دولة مستقرة وقابلة للاستمرار.

وفي المقابل، تبقى قدرة أي مجتمع على تحويل الخلاف من مصدر تهديد إلى مصدر إنتاج سياسي، هي الاختبار الحقيقي لنضج تجربته السياسية.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك