
صحافي استقصائي وباحث في حقوق الانسان
إيران وميليشياتها تعلنان الحرب على العرب
من تهديد الخليج وإغلاق باب المندب إلى قصف الدول العربية وتهديد الأمن الدولي
خاص بوابة بيروت
لم تعد جماعة الحوثي الإرهابية بحاجة إلى مزيد من الأدلة لإثبات طبيعتها ووظيفتها. فالجماعة التي استولت بقوة السلاح على العاصمة اليمنية، وحولت جزءاً من اليمن إلى قاعدة صاروخية مرتبطة بالمشروع الإيراني، عادت إلى توجيه تهديدات مباشرة إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج، ووصفت السعودية بلغة العداء والحرب، قبل أن تعلن استهداف مطار أبها بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
هذه التهديدات ليست خطاباً سياسياً ولا موقفاً يمنياً مستقلاً، بل إعلان عدوان صادر عن تنظيم مسلح لا يعترف بسيادة الدول ولا بحدودها، ويحتفظ بترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة ويقرر استخدامها خارج أي سلطة شرعية أو رقابة وطنية. وفي 14 يوليو/تموز 2026، أعلنت الجماعة استهداف مطار أبها السعودي، وحذرت شركات الطيران من استخدام الأجواء السعودية، في تهديد مباشر للطيران المدني وأمن المسافرين والمنشآت المدنية.
إن استهداف المطارات أو تهديد حركة الطيران المدني لا يمكن تبريره تحت أي شعار. وعندما تُستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة لترهيب السكان وتعطيل المنشآت المدنية وإجبار الدول على تغيير سياساتها، فنحن لسنا أمام «مقاومة»، بل أمام سلوك إرهابي منظم يستخدم القوة لتحقيق أهداف سياسية.
أداة عسكرية إيرانية ترتدي ثوباً يمنياً
تحاول جماعة الحوثي تقديم نفسها بوصفها حركة يمنية مستقلة، لكن الوقائع المالية والعسكرية تكشف ارتباطاً عضوياً بنظام إيران والحرس الثوري الإيراني.
فالخزانة الأميركية أعلنت في يناير/كانون الثاني 2026 أن الحكومة الإيرانية تبيع النفط للحوثيين وتقدم لهم شحنات شهرية مجانية عبر شركات إيرانية أو مرتبطة بإيران، بما يرفد الجماعة بمصادر تمويل ضخمة. كما وثقت شبكات تعمل بالتنسيق مع مسؤولين حوثيين مدعومين من «فيلق القدس» لشراء أسلحة ومواد حساسة بملايين الدولارات.
وتقول المؤسسات الأميركية المختصة بمكافحة الإرهاب إن الحوثيين تنظيم سياسي وعسكري مدعوم من إيران، هاجم مصالح خليجية وعربية وأميركية وغربية. كما سبق أن أكدت وزارة الخزانة الأميركية أن الدعم الإيراني، من تمويل وتدريب ومعدات عسكرية، مكّن الجماعة من تهديد الدول المجاورة وضرب البنية التحتية المدنية في السعودية واليمن.
هذه ليست علاقة تعاطف سياسي، بل علاقة تسليح وتمويل وتدريب وإسناد لوجستي. إيران تمنح السلاح والمال والخبرة، والحوثي يوفر الأرض والمقاتلين والمنصة الجغرافية. والنتيجة أن اليمن يُستخدم رأس حربة ضد السعودية ودول الخليج، بينما يتحمل الشعب اليمني الجوع والانقسام والدمار.
طهران تنتقم من الأميركيين فوق الأرض العربية
الأخطر أن نظام إيران لم يعد يخفي نظرته إلى الدول العربية باعتبارها ساحات متاحة لتصفية حساباته مع الولايات المتحدة. ففي 17 يوليو/تموز 2026، أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه استهدف ما وصفه بمركز قيادة أميركي في منطقة التنف داخل الأراضي السورية، وقال صراحة إن الهجوم جاء انتقاماً لمقتل عناصر إيرانيين في إيران.
وبحسب مصدر عسكري سوري، وقع الهجوم قرب التنف لكنه لم يصب القاعدة ولم يتسبب في أضرار أو ضحايا، فيما لم تتمكن وكالة رويترز من التحقق بصورة مستقلة من الادعاء الإيراني. إلا أن الخطورة القانونية والسياسية لا تتوقف على دقة الإصابة، بل تكمن في أن دولة أجنبية قررت استخدام الأراضي السورية مسرحاً لثأرها العسكري مع دولة أخرى، من دون أن يكون الشعب السوري طرفاً في هذا الصراع.
وفي اليوم نفسه، أعلن الحرس الثوري إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه أهداف أميركية في دول خليجية وعربية، شملت وفق روايته قطر والكويت والبحرين وعُمان والأردن وسوريا. كما تعرضت منشأة كويتية للطاقة وتحلية المياه لأضرار وحريق، في تصعيد أظهر استعداد طهران لنقل الحرب إلى البنية التحتية العربية تحت ذريعة الرد على واشنطن.
بأي منطق تصبح سوريا والكويت وقطر والبحرين وعُمان والأردن ساحات انتقام إيرانية؟ وبأي حق تمنح طهران نفسها سلطة إطلاق الصواريخ فوق أراضي دول عربية لأنها تريد الرد على هجمات أميركية؟ إن النظام الذي يدّعي الدفاع عن شعوب المنطقة يعاقب هذه الشعوب، ويهدد مياهها وكهرباءها ومطاراتها واقتصادها وأمن أطفالها، ثم يصف ذلك بأنه «رد مشروع».
باب المندب وهرمز… ابتزاز العالم عبر الممرات البحرية
إن تهديد جماعة الحوثي بإغلاق مضيق باب المندب، بالتزامن مع تلويح النظام الإيراني بإغلاق مضيق هرمز، لا يمثل مجرد تصعيد عسكري عابر، بل يشكل تهديداً مباشراً للأمن والسلم الدوليين ولحرية الملاحة البحرية التي يكفلها القانون الدولي. فمضيقا باب المندب وهرمز من أهم الشرايين الاستراتيجية للتجارة العالمية، إذ تمر عبرهما نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز والبضائع بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.
وأي محاولة لتعطيل الملاحة فيهما تعني تهديداً للاقتصاد العالمي، وارتفاعاً حاداً في أسعار الطاقة، واضطراباً في سلاسل الإمداد الدولية، وإلحاق أضرار بمئات الدول التي تعتمد على هذين الممرين الحيويين.
كما أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 كرست مبدأ حرية الملاحة وحق المرور العابر في المضائق الدولية، وأي استخدام للقوة أو التهديد بها لإغلاق هذه المضائق يعد انتهاكاً للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة، ويمنح المجتمع الدولي مبرراً قانونياً لاتخاذ إجراءات جماعية لحماية أمن الملاحة الدولية.
إن تحويل باب المندب وهرمز إلى أدوات للابتزاز السياسي والعسكري لا يستهدف دولة بعينها، بل يضع الاقتصاد العالمي بأسره رهينة لقرارات جماعات مسلحة ونظام إقليمي يستخدم الممرات البحرية كسلاح للضغط وفرض النفوذ، في سلوك لا يمكن وصفه إلا بأنه تهديد منظم للأمن الدولي.
انتهاك صريح لميثاق الأمم المتحدة
تنص المادة الثانية، الفقرة الرابعة، من ميثاق الأمم المتحدة على امتناع جميع الدول في علاقاتها الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة، أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة. وبذلك فإن إطلاق الصواريخ على أراضي دولة أخرى، أو تهديدها عسكرياً، لا يمثل مجرد عمل عدائي سياسياً، بل يقع في صميم الأفعال التي يحظرها الميثاق الدولي.
ولا تستطيع إيران أن تستند تلقائياً إلى حق الدفاع عن النفس لتبرير ضرب دول عربية لم تهاجمها. فالمادة 51 من الميثاق تقر حق الدفاع الفردي أو الجماعي عن النفس عند وقوع هجوم مسلح على دولة عضو، إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة. لكنها لا تمنح أي دولة رخصة مفتوحة للانتقام داخل أراضي دول ثالثة، ولا تتيح تحويل أراضي الآخرين إلى ساحات حرب بمجرد وجود منشآت أو قوات أجنبية عليها.
وحتى عندما تدعي دولة أنها تستهدف منشأة عسكرية، تبقى ملزمة بمبادئ الضرورة والتناسب والتمييز، وباحترام سيادة الدولة التي يقع الهجوم على أراضيها. فالانتقام السياسي ليس قاعدة قانونية، والثأر ليس دفاعاً عن النفس، والصواريخ لا تكتسب الشرعية بمجرد أن يطلق عليها الحرس الثوري اسماً عسكرياً.
التهديد بالمطارات والمنشآت المدنية سلوك إرهابي
تجرّم الاتفاقية الدولية لقمع الهجمات الإرهابية بالقنابل إلقاء أو وضع أو تفجير أجهزة متفجرة أو مميتة عمداً في الأماكن العامة أو مرافق الدولة أو شبكات النقل العام أو منشآت البنية التحتية، عندما يكون القصد إحداث الموت أو الإصابة الجسيمة أو التدمير الكبير.
ومن هذا المنظور، فإن استهداف المطارات المدنية أو منشآت المياه والطاقة، أو التهديد بضربها لإرغام دولة أو سكانها على الخضوع، لا يمكن تجميله بمفردات «الرد» أو «الإسناد». إنه استخدام متعمد للعنف أو التهديد به لتحقيق غاية سياسية، وهو جوهر العمل الإرهابي كما تعالجه الاتفاقيات الدولية المتخصصة.
إن التحذير الحوثي لشركات الطيران من استخدام الأجواء السعودية ليس تحذيراً بريئاً، بل محاولة لإرهاب قطاع الطيران المدني، وتهديد حياة المسافرين، والإضرار باقتصاد دولة كاملة. التنظيم الذي يجعل الطائرات المدنية والمطارات والمنشآت الحيوية أوراقاً في حربه يؤكد بنفسه أنه لا يقيم وزناً لحياة المدنيين ولا للقانون الدولي.
انتهاك لقرارات مجلس الأمن الخاصة باليمن
فرض قرار مجلس الأمن رقم 2216 لعام 2015 حظراً على توريد السلاح إلى أشخاص وكيانات حوثية محددة، وطالب الدول بالامتثال لتدابير الحظر. إن استمرار تدفق السلاح والتمويل والخبرات إلى الجماعة، في ظل هذا النظام الدولي للعقوبات، يثير مسؤوليات قانونية وسياسية خطيرة بحق الجهات التي تساعدها على تطوير قدراتها العسكرية وتهديد الدول المجاورة.
فلا يمكن لطهران أن تمول الجماعة وتدربها وتزودها بالقدرات، ثم تتبرأ من نتائج الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة. الدولة التي تساعد تنظيماً مسلحاً وهي تعلم طبيعة عملياته لا تستطيع الاختباء إلى الأبد خلف عبارة «حلفاء مستقلون». الاستقلال لا يصنعه الشعار، بل تثبته مصادر القرار والمال والسلاح.
مشروع لا يحمي العرب بل يستخدم دماءهم
منذ سنوات، يقدم نظام إيران نفسه بوصفه مدافعاً عن قضايا المنطقة، لكن حصيلة مشروعه تظهر في العواصم العربية المنهكة: دولة ضعيفة هنا، ميليشيا أقوى من الجيش هناك، قرار وطني مصادر، ومؤسسات دستورية مشلولة تحت ضغط السلاح.
في اليمن، لم يصنع الحوثيون دولة؛ بل صنعوا سلطة مسلحة تقمع الخصوم وتطلق الصواريخ خارج الحدود. وفي لبنان، تحول سلاح حزب الله حليف إيران إلى دولة موازية. وفي العراق، تنازعت الجماعات المسلحة سلطة الدولة. وفي سوريا، استُخدمت الأرض والإنسان لسنوات بوصفهما جزءاً من الممر العسكري الإيراني.
هذا المشروع لا يريد دولاً عربية مستقرة وقوية، لأن الدولة القوية لا تسمح لميليشيا بأن تقرر الحرب، ولا تسمح لسفارة أو قوة أجنبية بأن تختار قادتها، ولا تقبل أن تتحول حدودها ومطاراتها وموانئها إلى أدوات في استراتيجية إقليمية تقودها طهران.
العداء ليس للسعودية وحدها بل لفكرة الدولة العربية
عندما يصف الحوثيون السعودية بأنها عدو، ويهددون دول الخليج، فإن القضية لا تتعلق بخلاف حدودي أو نزاع سياسي عابر. الجماعة تعادي نموذج الدولة التي تملك قرارها وحدودها وجيشها، لأنها في الأصل تقوم على نقيض هذا النموذج: سلاح خارج الشرعية، وتمويل عابر للحدود، وقرار مرتبط بمحور إقليمي.
والتهديد لا يستهدف السعودية وحدها؛ إنه رسالة إلى كل دولة عربية ترفض الخضوع للمشروع الإيراني. اليوم السعودية والكويت والبحرين وقطر وعُمان وسوريا والأردن، وغداً أي دولة ترفض أن تكون قاعدة أو ممراً أو تابعاً.
السكوت عن هذا السلوك لا يحقق التهدئة، بل يشجع على تكراره. وكل صاروخ يمر من دون مساءلة يتحول إلى سابقة، وكل تهديد لمطار مدني لا يواجه بإدانة حازمة يتحول إلى دعوة لتهديد مطار آخر.
الحوثي منظمة إرهابية والنظام الإيراني يتحمل مسؤولية دعمه
صنفت الولايات المتحدة جماعة «أنصار الله»، المعروفة بالحوثيين، منظمة إرهابية أجنبية اعتباراً من مارس/آذار 2025، كما تدرجها أستراليا ضمن التنظيمات الإرهابية. ولذلك فإن وصفها بالجماعة الإرهابية ليس مجرد شتيمة سياسية، بل توصيف يستند إلى قرارات رسمية صادرة عن دول، وإلى سجل من الهجمات على السفن والمطارات والمنشآت المدنية والقوات والمصالح الإقليمية والدولية.
أما نظام إيران الداعم لها، فلا يمكن إعفاؤه من المسؤولية السياسية والأخلاقية عن تمويل جماعة مسلحة تهدد الدول العربية. من يزود الجماعة بالموارد ويمنحها شبكات التهريب والتدريب والخبرة لا يكون وسيط سلام، بل شريكاً في صناعة الخطر.
ليس المطلوب حرباً مذهبية ولا عداءً للشعب الإيراني، الذي يدفع بدوره ثمناً باهظاً لسياسات حكامه. المطلوب تسمية المسؤولين بأسمائهم: نظام إيراني يوظف الحرس الثوري والميليشيات لتحقيق نفوذ إقليمي، وجماعة حوثية إرهابية تستخدم اليمن منصة لتهديد العرب وخدمة حسابات خارجية.
العرب ليسوا ساحات بريد لصواريخ إيران
الدول العربية ليست ساحات مفتوحة لرسائل طهران إلى واشنطن، وليست شعوبها وقوداً لحروب إيران، وليست مطاراتها ومياهها وكهرباؤها أهدافاً مشروعة لانتقام الحرس الثوري.
إذا كانت إيران في نزاع مع الولايات المتحدة، فعليها ألا تحوّل الكويت وسوريا والبحرين وقطر وعُمان والأردن والسعودية إلى صناديق بريد صاروخية. ومن يضرب دولة عربية بحجة الانتقام من أميركا لا يقاوم أميركا؛ بل يعتدي على العرب ويعرض المدنيين للخطر.
الحقيقة التي لم تعد تحتمل المواربة هي أن أخطر ما يهدد المنطقة ليس فقط الصاروخ الإيراني، بل الشبكة التي صنعها النظام الإيراني لإطلاق الصواريخ من أراضٍ عربية وبأسماء عربية، ثم التنصل من الدم والدمار.
إن حماية الأمن العربي تبدأ بإنهاء شرعنة الميليشيات، ورفض ازدواجية الدولة والسلاح، ومحاسبة كل من يمول أو يسلح أو يدرب جماعة تهدد الدول والمنشآت المدنية. فلا سلام مع جيوش موازية، ولا سيادة مع صواريخ تأتمر من الخارج، ولا مستقبل للعرب إذا بقيت عواصمهم ساحات انتقام في حروب الآخرين.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير