جنيد.. صيدنايا فلسطين : المسلخ البشري الذي تديره أجهزة السلطة العباسية في قلب نابلس

خاص بوابة بيروت

ليس كل مسلخ بشري اسمه صيدنايا. ففي قلب نابلس يقبع سجن جنيد، الذي لم يعد اسمه بالنسبة لكثير ممن مروا خلف جدرانه يعني مجرد سجن أو مركز توقيف، بل مكانًا ارتبط بشهادات مرعبة عن الشبح، والضرب بالخراطيم، والحرمان من النوم، والإهانات والتهديدات، والتفتيش الجسدي المهين، وحلق الشعر واللحى بالقوة، والتنكيل بالمعتقلين.

وما يجعل هذه الشهادات أشد خطورة أنها لا تتحدث عن انتهاكات ارتكبها احتلال أجنبي، بل عن فلسطينيين يتعرضون للإذلال على أيدي أجهزة تحمل اسم فلسطين.

في جنيد يبرز اسم ما يسمى “اللجنة الأمنية”، وهو اسم يبدو إداريًا هادئًا، بينما تصفه شهادات منشورة باعتباره أحد أكثر الأماكن رعبًا داخل السجن؛ إذ تتحدث عن إحالة من يعترض على الانتهاكات إليه، وعن الشبح والضرب والتنكيل والحرمان من النوم.

وفي شهادة حديثة بشأن المعتقل أمين القوقا، تحدثت لجنة أهالي المعتقلين السياسيين في تموز 2026 عن تعريضه للشبح والتعذيب والتنكيل يوميًا، وعن اقتحام زنزانته ليلًا بواسطة سجانين ملثمين وحرمانه من النوم.

هذه الممارسات، إن ثبتت في تحقيق مستقل، ليست «تجاوزات» ولا أخطاء أثناء التحقيق. إنها أفعال يمكن أن تشكل تعذيبًا ومعاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة وفق القانون الدولي. فالخرطوم ليس أداة تحقيق، والشبح ليس وسيلة قانونية لانتزاع المعلومات، والحرمان المتعمد من النوم ليس إجراءً أمنيًا، وإذلال جسد المعتقل ليس من صلاحيات أي ضابط مهما كانت رتبته أو التهمة الموجهة إلى من يقف أمامه.

ويجب هنا تسمية المؤسسات بدل الاختباء وراء العبارة المريحة «الأجهزة الأمنية». نحن نتحدث عن منظومة يظهر فيها جهاز المخابرات العامة الفلسطيني، وجهاز الأمن الوقائي الفلسطيني، والاستخبارات العسكرية الفلسطينية، إلى جانب الأجهزة المختصة الأخرى بحسب جهة الاعتقال والتحقيق.

وهذه مؤسسات لها قادة ومديرو أقسام وضباط ومحققون وتسلسل وظيفي، ولذلك فإن التحقيق في أي تعذيب لا يجوز أن يتوقف عند السجان أو المحقق الذي نفذ الفعل؛ بل يجب أن يسأل عمن أمر، ومن أشرف، ومن علم، ومن تستر، ومن كان يستطيع منع الانتهاك ولم يفعل.

والأخطر أن الاتهامات الحديثة تجاوزت التعذيب نفسه إلى الحديث عن إخفاء آثاره عن الرقابة. ففي أيار 2026 اتهمت لجنة أهالي المعتقلين السياسيين أجهزة السلطة في جنيد بنقل معتقلين من «اللجنة الأمنية» بالتزامن مع زيارات للصليب الأحمر وجهات حقوقية، لمنع المراقبين، بحسب روايتها، من الاستماع إلى شهاداتهم بشأن ما تعرضوا له. ووفق هذه المعلومات وغيرها من توثيقات، فنحن لا نتحدث فقط عن انتهاك داخل الزنزانة، بل عن محاولة محتملة لحجب الانتهاك عن الجهات الرقابية.

ومن هنا تصبح المقارنة مع صيدنايا مشروعة أخلاقيًا، لا بوصفها مقارنة في أعداد الضحايا، وإنما في منطق المسلخ البشري. صيدنايا لم يصبح رمزًا عالميًا للرعب بسبب اسم السجن، بل لأن السلطة الأمنية الاسدية تعاملت مع الإنسان خلف الجدار باعتباره جسدًا مباحًا للكسر والإذلال. وعندما تتحدث الشهادات في جنيد عن الشبح والخرطوم والحرمان من النوم والإذلال والملثمين وغرف التنكيل والموت احيانًا تحت التعذيب، فإن السؤال لم يعد: هل جنيد هو صيدنايا؟ بل كيف سمحنا أصلًا بأن يصبح لدينا سجن فلسطيني تستدعي ممارساته المزعومة اسم صيدنايا؟

بل إن جنيد، في جانب أخلاقي بالغ القسوة، يحمل مفارقة أشد مرارة: الفلسطيني الذي أمضى عقودًا يطالب العالم بحمايته من التعذيب لا يجوز أن يجد نفسه اليوم تحت رحمة محقق فلسطيني يمارس بحقه الأساليب التي أدانها عندما مارسها الآخرون. فالجلاد لا يصبح أقل قذارة لأن لغته لغة الضحية، والخرطوم لا يصبح مشروعًا لأنه في يد فلسطينية، والتعذيب لا يكتسب شرعية لأن فوق المبنى علم فلسطين.

ولهذا نقولها بالأسماء: المخابرات العامة والأمن الوقائي والاستخبارات العسكرية ليست فوق القانون. دولة فلسطين طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، وحظر التعذيب مطلق؛ فلا «الأمن الوطني» ولا «خطورة المتهم» ولا الانتماء السياسي ولا الأوامر الصادرة من مسؤول أعلى تبرر تعذيب إنسان. حتى المتهم بأشد الجرائم خطورة يبقى له حق لا تستطيع الدولة مصادرته: ألا يُعذب.

ولا علاقة لهذه القضية بصراع فتح وحماس، ولا يجوز السماح بتحويلها إلى بازار سياسي. المعتقل، سواء كان فتحاويًا أو حمساويًا أو يساريًا أو مستقلًا أو صحفيًا أو معارضًا أو حتى متهمًا بجريمة خطيرة، يبقى إنسانًا تحميه القوانين. حقوق الإنسان التي تتغير بتغير هوية الضحية ليست حقوق إنسان، بل موقف سياسي متنكر بثوب حقوقي.

وإذا كانت السلطة الفلسطينية وأجهزتها تعتبر هذه الشهادات كاذبة أو مبالغًا فيها، فالحل بسيط: افتحوا جنيد بالكامل أمام رقابة حقوقية مستقلة ومفاجئة. افتحوا «اللجنة الأمنية». اسمحوا للمراقبين باختيار المعتقلين الذين يريدون مقابلتهم دون حضور الأمن، واكشفوا سجلات الكاميرات و الإصابات والشكاوى والتحقيقات والعقوبات بحق الضباط والمحققين. فمن لا يخفي مسلخًا خلف الجدران لا ينبغي أن يخشى فتح أبوابه.

جنيد ليس مجرد سجن سيئ السمعة؛ إنه امتحان أخلاقي وقانوني للسلطة الفلسطينية كلها. وإما أن يُفتح ملف التعذيب فيه بشفافية، ويحاسب كل من تثبت مسؤوليته من أصغر سجان إلى أعلى مسؤول، وإما أن يبقى اسم جنيد وصمة تلاحق كل من عرف وسكت.

لقد عرف العالم صيدنايا السوري بعدما خرجت أسراره من خلف الجدران. فلا تنتظروا أن يأتي يوم تُفتح فيه أبواب جنيد ويخرج معتقلوه حاملين شهاداتهم وآثار ما تعرضوا له، ثم يبدأ الجميع بالسؤال متأخرين: كيف سمحنا بأن يقوم في قلب نابلس مسلخ بشري يحمل اسم مؤسسة فلسطينية؟

رسالة أخيرة إلى محمود عباس

وأختم برسالة إلى محمود عباس: لقد انتُخبت رئيسًا في 9 كانون الثاني 2005 لولاية حددها القانون بأربع سنوات، وانتهت تلك الولاية الانتخابية الأصلية في كانون الثاني 2009، لكنك بقيت في السلطة كل هذه السنوات دون انتخابات رئاسية جديدة تمنحك تفويضًا شعبيًا متجددًا.

ونصيحتي لك، وأنت في أواخر العمر، أن تفكر جيدًا فيما ستتركه خلفك قبل أن تلقى ربك: لا تجعل اسمك يُكتب في ذاكرة الفلسطينيين إلى جانب أسماء الحكام الذين حكموا شعوبهم بالقبضة الأمنية وتركوا وراءهم السجون والخوف والضحايا.

افتح سجن جنيد للتحقيق المستقل، أوقف التعذيب، وحاسب من تلطخت أيديهم بكرامة الفلسطينيين قبل أن يحاسبك التاريخ على أنك عرفت بما يجري وسكتَّ عنه. فالسلطة زائلة، والكرسي لا يدوم لأحد، لكن صرخة المظلوم تبقى أطول من عمر كل ديكتاتور.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك