
صحافي استقصائي وباحث في حقوق الانسان
الغوطة لم تمت.. الديكتاتور هرب إلى موسكو والضحايا ما زالوا ينتظرون العدالة
خاص بوابة بيروت
في مثل هذا اليوم، قبل ثلاثة عشر عامًا، لم يكن أطفال الغوطة يعرفون شيئًا عن توازنات القوى الكبرى، ولا عن مجلس الأمن، ولا عن حق النقض، ولا عن المصالح الجيوسياسية التي ستتحول لاحقًا إلى جدار يحول بين دمائهم والعدالة.
كانوا نائمين.
وفي فجر 21 أغسطس/آب 2013، استُخدم غاز السارين في الغوطة، فسقط عدد كبير من المدنيين وبينهم أطفال. واليوم، في الذكرى الثالثة عشرة للهجوم، تعود منظمة حظر الأسلحة الكيميائية نفسها لتذكّر العالم بأن السارين استُخدم في ذلك اليوم، وأن المنظمة ما زالت تعمل مع السلطات السورية الجديدة لكشف الحجم الكامل لبرنامج الأسلحة الكيميائية للسلطات السورية السابقة.
ثلاثة عشر عامًا مضت، لكن الغوطة لم تمت.
مات بشر، واختنق أطفال، وفُجعت عائلات، ودُفنت أجساد؛ أما الجريمة فبقيت.
واليوم لم يعد الديكتاتور المجرم بشار الأسد جالسًا في قصره في دمشق. سقط نظامه البائد في ديسمبر/كانون الأول 2024، وغادر سوريا إلى روسيا، التي منحته اللجوء بقرار من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وفق ما أعلنه الكرملين.
هرب الديكتاتور، لكن ملفه لم يهرب معه.
وأستخدم هنا كلمة الديكتاتور عن قصد، ولن أستبدلها بتعبير دبلوماسي مخفف. فالسلطة التي تجعل الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري أدوات لقمع المجتمع، وتدير أجهزة أمنية تحولت فيها الانتهاكات إلى ممارسة واسعة ومنهجية، ليست نموذجًا لحكم يمكن تجميله باختلاف المصطلحات.
بعد سقوط الجدران.. ظهرت الدولة التي كانت مختبئة خلفها
بعد سقوط نظام الديكتاتور الأسد، لم يعد الحديث عن السجون والمعتقلات والأفرع الأمنية مجرد سجال بين السلطة ومعارضيها.
لقد دخلت المؤسسات الدولية إلى بعض المواقع نفسها.
في فبراير/شباط 2026، دخل فريق الآلية الدولية المحايدة والمستقلة التابعة للأمم المتحدة (IIIM) إلى فرع الخطيب، المعروف بالفرع 251، لجمع الأدلة وتوثيق الموقع.
وقالت الآلية إن المكان ما زالت فيه آثار مرئية للفظائع، وإن شهادات الناجين والمعتقلين السابقين تحدثت لسنوات عن الاستخدام الواسع والمنهجي للتعذيب والمعاملة القاسية وظروف الاحتجاز اللاإنسانية.
لكن الأخطر من ذلك أن تقرير الآلية عن منظومة الاحتجاز التابعة لحكومة الديكتاتور الأسد لم يُبنَ على شاهد واحد، ولا على منشور في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا على رواية سياسية معارضة.
التقرير حلل الانتهاكات في أكثر من مئة منشأة احتجاز حكومية، واستند إلى أكثر من 300 مقابلة مع شهود وأدلة طب شرعي ووثائق صادرة عن الحكومة السورية نفسها، ووثق أنماطًا واسعة ومنهجية من التعذيب وسوء المعاملة والعنف الجنسي والإخفاء القسري.
وفي النسخة العربية التي نشرتها الآلية لاحقًا، أوضحت أن جهاز الاحتجاز لم يكن مجرد نظام عدالة انحرف بعض أفراده، بل كان أداة مركزية للقمع العنيف شاركت في بنيتها أجهزة استخبارات ومستشفيات عسكرية وشرطة عسكرية.
وهنا تنهار واحدة من أكثر الروايات التي استُخدمت طوال سنوات لتبرير الجرائم:
»كانت الدولة تحارب الإرهاب«
حتى لو افترضنا أن الدولة تواجه تنظيمات مسلحة أو إرهابية، فمنذ متى يمنح القانون الدولي الدولة حق تعذيب المعتقل؟
منذ متى يصبح الإخفاء القسري وسيلة مشروعة للحرب؟
منذ متى يصبح تعذيب إنسان أعزل داخل زنزانة جزءًا من مكافحة الإرهاب؟
ومنذ متى يدفع طفل أو امرأة أو أسرة كاملة ثمن موقف سياسي أو قرابة أو شبهة؟
الحرب لا تلغي القانون.
والإرهاب لا يمنح الحكومة رخصة لممارسة الإرهاب المضاد.
وجريمة يرتكبها طرف معارض لا تمنح الدولة صك براءة عن جريمة ترتكبها هي.
هذه ليست وجهة نظر سياسية؛ إنها من أبسط قواعد المسؤولية الفردية في القانون الدولي.
من السارين إلى الزنازين.. الصورة واحدة
قد تبدو الغوطة وصيدنايا والأفرع الأمنية والإخفاء القسري ملفات منفصلة.
لكنها في الحقيقة أجزاء من سؤال واحد:
ماذا يحدث عندما تتحول الدولة من مؤسسة لحماية مواطنيها إلى منظومة ترى في جزء من مواطنيها أعداء يجب إخضاعهم بأي وسيلة؟
حتى محكمة العدل الدولية دخلت على خط ملف التعذيب السوري قبل سقوط النظام. ففي القضية التي أقامتها كندا وهولندا ضد الجمهورية العربية السورية بموجب اتفاقية مناهضة التعذيب، أصدرت المحكمة في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 تدابير مؤقتة ملزمة، طالبت سوريا بموجبها باتخاذ جميع الإجراءات المتاحة لمنع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وبالحفاظ على الأدلة المتعلقة بهذه الادعاءات.
أي أننا لسنا أمام «حكايات اخترعتها المعارضة»، كما يحلو للبعض أن يردد.
نحن أمام ملفات دخلت المؤسسات الأممية والآليات القضائية الدولية، وأمام وثائق حكومية وشهادات وطب شرعي وأدلة محفوظة من أجل المحاكمات الحالية والمستقبلية.
حتى المخدرات أصبحت جزءًا من إرث النظام البائد
ثم سقط النظام، وبدأت تظهر منشآت الكبتاغون وشبكاته.
وكشفت تحقيقات صحفية دولية بعد سقوط الديكتاتور الأسد عن منشأة ضخمة لإنتاج المخدرات على أطراف دمشق، وربطت التحقيقات الشبكة المحيطة بها بأشخاص قريبين من المجرم ماهر الأسد وبالفرقة الرابعة البوليسية التي كان يقودها.
وهنا لا ينبغي أن نستخدم المبالغة؛ فالحقائق وحدها كافية.
نظام يُتهم دوليًا باستخدام السلاح الكيميائي، وتوثق آلية أممية في منظومة احتجازه التعذيب والإخفاء القسري بصورة واسعة ومنهجية، ثم تنكشف بعد سقوطه شبكات صناعية للكبتاغون مرتبطة بدوائر نافذة حوله.
أي دولة تركها هذا النظام للسوريين؟
وأي «دولة مؤسسات» يتحدث عنها من لا يزالون يرفعون صور بشار الأسد؟
إلى مناصري الأسد: ألا تستحون؟
وهنا أريد أن أخرج للحظة من لغة الاتفاقيات والمحاكم والمواد القانونية، لأطرح سؤالًا إنسانيًا بسيطًا على الذين ما زالوا، حتى بعد سقوط النظام البائد وانكشاف المزيد من إرثه، يرفعون صور بشار الأسد، ويتحدث بعضهم عن عودته، بل ويصل الأمر لدى البعض إلى الشماتة بضحاياه:
ألا تستحون؟
لا أسألكم أن تؤيدوا الحكومة السورية الحالية.
ولا أسألكم أن تحبوا المعارضة.
ولا أسألكم أن تتبنوا موقفًا سياسيًا لا تؤمنون به.
عارضوا من تريدون.
انتقدوا السلطة الجديدة كما تريدون.
حاسبوا أي فصيل أو مسؤول أو جهة ترتكب انتهاكًا، ونحن معكم في ذلك؛ فلا حصانة لمجرم بسبب راية يرفعها أو طائفة ينتمي إليها أو ثورة يدّعي تمثيلها أو دولة يحكمها.
لكن ما علاقة كل ذلك بطفل اختنق بالسارين؟
ما علاقة خلافكم السياسي بمعتقل عُذب داخل زنزانة؟
ما ذنب أم ظلت سنوات تنتظر ابنًا لا تعرف إن كان حيًا أم تحول إلى رقم في سجل للموت؟
وما الذي يدفع إنسانًا إلى رؤية صور الضحايا ثم البحث عن طريقة لتبرير الجلاد؟
يمكنكم أن تختلفوا مع كل خصوم الأسد الهارب، لكنكم لا تستطيعون أخلاقيًا تحويل الاختلاف السياسي إلى تبرير للتعذيب والإخفاء القسري وقتل المدنيين.
الضحية ليست معارضة ولا موالاة عندما تكون تحت التعذيب. الضحية إنسان.
ومن يشمت بإنسان قُتل أو عُذب بسبب هويته أو موقفه السياسي لا يدافع عن دولة؛ إنه يدافع عن سقوط قيمة الإنسان نفسها.
وموسكو.. ماذا عن القانون الذي وقّعت عليه روسيا؟
أما روسيا، فالسؤال معها أكثر تعقيدًا من خلاف سياسي مع دولة دعمت الأسد.
روسيا ليست دولة هامشية في النظام الدولي. إنها عضو دائم في مجلس الأمن، ودولة يفترض أن تحمل، بحكم موقعها، مسؤولية استثنائية في حماية السلم والأمن الدوليين.
وهي طرف في اتفاقية مناهضة التعذيب، الاتفاقية التي تجعل التعذيب جريمة لا يجوز تبريرها بظروف الحرب أو عدم الاستقرار السياسي أو أي حالة استثنائية أخرى.
وروسيا نفسها دولة طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، بينما تقول منظمة حظر الأسلحة الكيميائية اليوم، في الذكرى الثالثة عشرة للغوطة، إنها ما تزال تعمل لكشف الحجم الكامل للبرنامج الكيميائي للسلطات السورية السابقة.
وهنا يحق لنا أن نسأل موسكو:
ألا تشعر دولة بحجم روسيا بأي حرج أخلاقي وهي توفر الملاذ لرجل تحيط بعهده كل هذه الملفات الإجرامية؟
لا أقول إن منح اللجوء، بذاته، يجعل روسيا شريكة قانونيًا في كل جريمة منسوبة إلى نظام الأسد؛ فالمسؤولية الجنائية لا تُبنى بالشعارات ولا بالعدوى السياسية، وإنما بالأدلة والقواعد القانونية.
لكن حماية الديكتاتور الأسد سياسيًا وإبقاؤه بعيدًا عن مسارات المساءلة تطرح سؤالًا لا تستطيع موسكو دفنه إلى الأبد:
إذا كانت روسيا تؤمن فعلًا بالقانون الدولي، فلماذا يجب أن يصبح الوصول إلى بشار الأسد أمام القضاء أمرًا مستحيلًا لمجرد أنه أصبح على الأراضي الروسية؟
القانون الدولي لا ينبغي أن يكون سيفًا يُرفع في وجه الخصوم، ثم يتحول إلى ورقة صامتة عندما يتعلق الأمر بالحلفاء.
لم يعد رئيسًا.. والحصانة لم تعد الجدار نفسه
وهناك تحول قانوني بالغ الأهمية منذ سقوط الأسد.
في يوليو/تموز 2025 ألغت محكمة النقض الفرنسية مذكرة توقيف كانت قد صدرت بحق بشار الأسد في ملف الهجمات الكيميائية، لأن المذكرة أُصدرت حين كان رئيسًا للدولة، ورأت المحكمة أن رئيس الدولة الأجنبية أثناء توليه منصبه يتمتع بحصانة شخصية أمام القضاء الوطني الأجنبي.
لكن سقوط الأسد غيّر هذه المعادلة.
فالمحكمة أوضحت أن انتهاء صفته كرئيس يعني إمكان إصدار مذكرات جديدة بحقه، وأن التحقيق يمكن أن يستمر.
وهذا هو الفارق بين الأمس واليوم:
بشار الأسد لم يعد رئيسًا للجمهورية العربية السورية.
هو اليوم رئيس سابق هارب من عدالة الشعب السوري و يعيش في روسيا.
ولهذا فإن الطريق نحو مساءلته لم يعد الطريق نفسه الذي كان قائمًا عندما كان يمارس سلطاته كرئيس دولة.
بل إن القضاء الفرنسي أصدر في سبتمبر/أيلول 2025 مذكرات توقيف دولية جديدة بحق بشار الأسد وماهر الأسد وعدد من كبار مسؤولي النظام السابق في قضية مقتل الصحفيين ماري كولفن وريمي أوشليك في قصف مركز إعلامي في بابا عمرو بحمص عام 2012، في إطار تحقيق يتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
إذن الحديث عن المحاكمة ليس خيالًا.
لقد بدأت بعض أبواب القضاء تُفتح بالفعل.
لا نريد الانتقام.. نريد محكمة
وهنا يجب أن يكون موقفنا واضحًا.
نحن لا نطالب بأن يُختطف بشار الأسد ويُقتل.
ولا أن يعذّب ماهر الأسد كما عُذب السوريون.
ولا أن يُزج برجال النظام السابق في أقبية سرية انتقامًا مما فعلوه.
لأننا إذا طالبنا بذلك نكون قد تبنينا منطق الجلاد نفسه.
ما نطالب به هو أصعب على الجلاد وأكثر احترامًا للضحايا:
نريد محكمة.
نريد بشار الأسد و ماهر الأسد أمام القضاء.
ونريد رؤساء الأجهزة والفروع الأمنية والعسكرية وكل مسؤول سياسي أو أمني أو عسكري توجد أدلة موثوقة على مسؤوليته عن جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو تعذيب أو إخفاء قسري أو قتل خارج القانون أمام العدالة.
نريد ملفات اتهام.
وأدلة.
وشهودًا.
ومحامين للدفاع.
وقضاة مستقلين.
وأحكامًا تصدر باسم القانون.
ومن تثبت براءته يخرج بريئًا.
ومن تثبت مسؤوليته يتحمل العقوبة التي يقررها القضاء.
هذه هي الدولة التي يستحقها السوريون بعد عقود من دولة الأجهزة.
الغوطة ليست ذكرى للموت فقط
في الذكرى الثالثة عشرة لمجزرة الغوطة، ربما تكون أكبر إهانة يمكن توجيهها للضحايا هي أن نحولهم إلى صور ننشرها مرة في السنة ثم نغلق الملف.
الوفاء للضحايا ليس بالبكاء عليهم.
الوفاء لهم أن نعرف من أمر، ومن خطط، ومن نفذ، ومن أخفى الأدلة، ومن عذب، ومن قتل، ومن ساعد، ثم نضع الأدلة أمام القضاء.
وأن نفعل الأمر نفسه مع أي شخص تثبت مسؤوليته عن جريمة بحق السوريين.
هناك ضحية، وهناك جريمة، وهناك متهم، وهناك دليل، وهناك قاضٍ.
هذا هو الطريق الوحيد لبناء دولة لا يخاف فيها السوري من جهاز أمني ولا من ميليشيا ولا من فصيل ولا من صاحب سلطة.
أما بشار الأسد، فربما استطاع أن يخرج من دمشق.
و استطاع أن يصل إلى موسكو.
وربما يستطيع أن يعيش سنوات خلف الحماية الروسية.
لكنه لا يستطيع أن يعيد أطفال الغوطة إلى قبورهم كي يمحو قصتهم.
ولا يستطيع إعادة أبواب الزنازين إلى أماكنها وكأن أحدًا لم ير ما خلفها.
ولا يستطيع محو آلاف الصفحات من الوثائق والشهادات والأدلة التي أصبحت اليوم محفوظة في ملفات دولية وقضائية.
لقد هرب الديكتاتور من سوريا، لكنه لم يهرب من التاريخ.
ويبقى على المجتمع الدولي أن يثبت أن القانون ليس عقوبة للدول الضعيفة وحدها، وأن حماية الحلفاء لا تستطيع أن تكون أقوى إلى الأبد من حقوق الضحايا.
وفي هذا اليوم، لا يحتاج أطفال الغوطة منا إلى دقيقة صمت أخرى بقدر ما يحتاجون إلى شيء انتظروه ثلاثة عشر عامًا:
أن تتحول الذاكرة إلى ملف قضائي، والملف إلى محاكمة، والمحاكمة إلى عدالة.
لأن الغوطة لم تمت.
والعدالة التي تأخرت ثلاثة عشر عامًا لا يجوز أن تُدفن في موسكو.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير